أدخلت إدارة المرور جهاز ساهر جديداً لرصد المخالفات المرورية، ويتميّز عن غيره برصْد متجاوزي الخطّ الأصفر للطرق، والسيارات المُرتفعة السرعة لِحَدّ ٣٠٠ كم في الساعة، ويرصد أكثر من سيارة في الوقت نفسه على مسارات مختلفة، فضلاً عن دقّته، وخفّته، وتوفيره للكهرباء، وتحمّله للأجواء، وجودة تصويره المُقارِبة للبث التلفزيوني HD!.

أنا بالطبع أؤيّد ساهراً، وهو عين حادّة البصر، مثل عين زرقاء اليمامة، ولا ينام، ويكشف المخالفات التي لا يستطيع رجل المرور كشفها بقدرته البشرية المحدودة، وهو ميكنة قلّلت الاعتماد على الآلاف من رجال المرور في الميدان!.

لكن أن نركّز فقط عليه، ونتفنّن في استيراد أحدث أجهزته، وتربيح شركاته التي تستثمر فيه بمبدأ «مصائب قوم عند قوم فوائد»، وأن تقرّ أعيننا بغراماته المليارية سنوياً، التي ربّما جعلته أعلى نظام مراقبة مرورية في العالم دخْلاً، دون أن نحلّ أصل مشكلتنا المرورية، وهي ضعف ثقافتنا المرورية في بيوتنا ومدارسنا وشوارعنا، وقد أنتجنا أجيالاً من غير المكترثين بالسياقة المُتحضّرة، ومن الجاهلين بأنّها واجب ديني قبل أن تكون فنّاً وذوقاً وأخلاقاً، ناهيك عن ضعف برامج توعيتنا المرورية، والدليل هو عدم تأثيرها على الناس، ولو بذلنا للمرور في الإعلام عُشْر ما نبذله لكرة القدم لصار مجتمعنا الأكثر رُقيّاً فيه، ولأصبحنا حديث العالم ومصدر إعجابه لا سخريته منّا، ولو أصلحنا بُنية شوارعنا وسمحنا بسياقة المرأة للسيارة بدلاً من السائقين الذين وفدوا إلينا أميّين في السياقة وتعلّموها على رؤوسنا مثل الحلاقة لربّما أسبغنا رقّة ونظاماً لشوارعنا لا عنفاً ومخالفات!.

لهذا لن أفرح بساهر الجديد، ولا بنجاحه الباهر في درّ الأموال، وسأفرح فقط إن حوّلْنا كلّ مواطن ومقيم لساهر ذاتي، يُصوّر ويراقب نفسه بنفسه، ويُحسّن سياقته حال قعوده خلف المقود!.