صعود دونالد ترمب للرئاسة واحتلال فريقه والمتعاطفين معه البيت الأبيض والمجالس التشريعية والمناصب التنفيذية في أغلب الولايات يهدد النظام العالمي القائم ويبشر باحتمال إحلال نظام جديد محله ، وسيكون العرب مستفيدين من بعض جوانب الحركة السياسية القائمة . إذ إن سادة (قادة ) النظام العالمي الحالي ، المتوقع تغييره ، قرروا أن مصلحتهم ، وخاصة أميركا ، تكمن في إحداث تغييرات في مختلف أنظمة الحكم بشكل يحقق لهم مصالحهم ،وسقط نتيجة لذلك الاتحاد السوفيتي وتفككت جمهورياته ، وجاء ربيع براغ وما تلاه من ( ربيعات) في أوربا الشرقية . وتلا ذلك الربيع العربي الذي لازلنا نعيش زلزاله .

كان من المتوقع أن تواصل هيلاري كلينتون سياسة ( الربيع ) مستعينة في ذلك بتشكيلة دأب النظام العالمي ( أميركا وأوروبا ) على استخدامها ضد الأنظمة العربية القائمة ، أهم عناصرها إيران من ناحية وحركة الإخوان المسلمين وتوابع لها مع يسار وطبقة مثقفين عرب فقدوا القدرة على الرؤية السليمة ويتخبطون في أفكارهم وأفعالهم ويعيشون في وهمِ ماضٍ ولَّى من ناحية أخرى . إلا أن صعود ترمب وتجميد إن لم يكن إلغاء استخدام واشنطن هذه الأدوات يمنح الأنظمة العربية وشعوبها فرصة لالتقاط الأنفاس ، فالأنظمة غير مهددة والشعوب غير موعودة بالخراب والتحول الى لاجئين ، مثلما هو الحال في ليبيا والعراق وسوريا واليمن التي أصابها ربيع النظام العالمي ، وفي الوقت الآني على الأقل .

المؤكد فيما يتعلق بسياسة واشنطن تجاه العالم ، أن نظامها سوف يسعى دائما لتحقيق مكاسب تحقق له مايراه هو أنه مصلحته . وسوف يتآمر على أي وضع لايراه محققاً لمصالحه ، أو يشكل خطراً آنياً أو بعيداً عليه . ولذا فإنه سيجد برنامجاً بديلاً أو يعود الى لعبة ( الربيع ) بشكلها الحالي أو معدلة ، وذلك خلال وقت لن يطول . فهل ترغب الأنظمة العربية السعي لتغيير أسلوب إدارتها ، سياسة واقتصاداً ، أم تنتظر أقدار النظام العالمي المعدل . التغيير المطلوب هو شكل من أشكال الإدارة يشارك فيها المواطن في صنع القرار بشكل أكثر جدية وإن كان على مراحل ، وبالتالي جعل المواطن أكثر مناعة وأشد حرصاً في مواجهة التحريض والتضليل من جماعات ( الربيع ) يساراً ويميناً .

من حسن الحظ أن لا إيران ولا حركة الإخوان المسلمين وباقي الإسلام السياسي سعوا لفتح قنوات حوار مع دونالد ترمب وفريقه ، وأبقوا ووثقوا صلاتهم بهيلاري كلينتون ، وذلك خلال الحملة الانتخابية الرئاسية بأميركا . وكان الفريقان على ثقة ، كما كان كثيرون ، بأن هيلاري ستكون رئيسة أميركا ، وأن ترمب وأصحابه لا يستحقون بذل أي مجهود لكسبهم . بل سعى فريق هيلاري الى توزيع أدوار لأشخاص معينين فيما يتعلق بالتنسيق مع كل من قادة الإخوان وملالي إيران ، حالما تعلن نتائج الانتخابات الرئاسية واحتلال هيلاري للبيت الأبيض . لكن ماحدث لن يمنع أياً من الفريقين الإيراني والإخوان من السعي للتأثير على إدارة ترمب لتحقيق مصالحهم . وبالمقابل فإن الأنظمة العربية ستكون في وضع يتطلب منها وعياً سليماً بالأوضاع القائمة وتصوراً دقيقاً لما يأتي به المستقبل واستعداداً للوصول الى حلول تكون في صالح بلدانها .. وعسى أن يكون جزء من ذلك حلولاً وسطية تمكن دول الخليج من وحدة أكثر تماسكا وتشابكاً .