Logo
صحيفة يومية تصدر عن مؤسسة المدينة للصحافة والنشر
محسن علي السهيمي

نقد النقد ومحكَّات التحول

A A
يُعد النقد حالةً صحيةً تؤمن بها وتمارسها المجتمعات المتحضرة؛ لأنه الخيار الأمثل لتقويم مسارها الحضاري، والسبيل الأقوم لاستمرارية ترقِّيها. من النقد تَولَّد ما يُعرف (بنقد النقد) الذي كانت بدايات ظهوره في عالمنا العربي مرتبطةً بالنقد الأدبي، إلا أن مفهومه اليوم تمدد أفقيًّا ليشمل مجالات أخرى (ثقافية وسياسية واجتماعية وفنية ورياضية وتاريخية..)، ولم يعد محصورًا على النقد الأدبي وحده. من (نقد النقد) ننطلق إلى القول إن بعضًا مما يُتداوَل اليوم عبر وسائط التواصل الاجتماعي ووسائل الإعلام المختلفة يدخل في باب نقد النقد؛ فردُّ الجهة المسؤولة على الكاتب أو المحرر الصحفي أو المغرد إنما هو بمثابة نقد للنقد الذي جاء بحقها في ثنايا المقال أو التقرير أو التغريدة حتى وإن جاء رد الجهة تحت مسمى (توضيح أو تعقيب)، وكذلك متى جاء رد الكاتب أو المحرر أو المغرد على رد الجهة المسؤولة فهو أيضًا يأخد مسمى نقد النقد، وبالمثل فردُّ كاتب ما على نقد كاتب آخر يأخذ مسمى نقد النقد. الإشكالية في قضية النقد ونقد النقد أن البعض لديه مبدأ درج عليه، وهو تصدِّيه (الانتقائي) لبعض النقد الذي يصدر بحق جهة مسؤولة أو شخص ما؛ فتراه يستحضر كل مفردات النقد، ويحشد كل مصطلحات الحميَّة المجتمعية، ويضرب على كل أوتار الغيرة الوطنية ليثبت خطأ الناقد. وهو بهذا يمارس نوعًا من قراءة النوايا، وإلا لَمَا رأيناه يستخدم أدوات ومصطلحات ليس المقام مقامها، ولما رأيناه يستقوي على المنقود بعبارات تقدح في حسه الوطني، في الوقت نفسه يُظهِر الناقد نفسه على أنه حامي الحمى، الغيور وحدَه على الوطن، المدرِك دون غيره لحساسية الظرف الزماني، الخبير بمآلات الأمور، المدرك للظروف المحيطة، وقل ما شئت من عبارات التبجيل للذات المتورمة للناقد. أحدهم لا يفتأ يشن هجماته النقدية على منقوديه عبر زاويته الصحفية (اليومية) تحت الحجج ذاتها وللمبررات عينها، حتى أنه ذات هجمةٍ نقدية قلَبَ الحقائق وقوَّل منقوده ما لم يقله، وجعل من تغريدة منقوده خطرًا محدقًا بالبلاد لمجرد أن المنقود انتقد خدمةً حيويةً شابها خللٌ تضرر منه جمعٌ من الناس، وكل ذلك الهجوم النقدي مبرره الظاهري أن (التوقيت أو الفترة الزمنية) غير مناسبة. واليوم، وفي الوقت الذي يتكاتف فيه أبناء وطننا لتحقيق رؤيته الوطنية (٢٠٣٠) على الرغم من متطلباتها الثقيلة، ويشهد تحولات كبرى نحو غدٍ أجمل، وتحيط به نوايا المتربصِين، يأتي ذلك الناقد الغيور ليحوم حول الحمى التي طالما ذاد عنها في معرض نقده للآخرِين، وطالما وقع فيها في معرض نقده لمؤسساتها فنراه يتناسى (قصدًا) أنه أيضًا في توقيتٍ أو فترةٍ زمنيةٍ تتطلب منه الصبر على قرارات التحول وتتطلب المؤازرة لها والتضحية ببعض المزايا، فنراه يكتب عن قسوة إجراءات التحول التي تخص دائرته الضيقة، ويشكو شكوى المكلوم من وقعها على مستقبله وأسرته، ويتوجع من سلب هذه الإجراءات لكفاحه واختزالها سنوات دأبه، ثم يبث كل ذلك عبر زاويته الصحفية وحساباته التواصلية. أين هي الروح الوطنية؟! أين هي ملاءمة التوقيت؟! أين هي حساسية الظرف الزماني؟! كلها (فص ملح..). ولذا يتضح لنا أن تلك الغارة النقدية وما في حكمها ما هي إلا مساحيق خادعة لا تصمد طويلاً في مثل هذه المواقف تكشف بجلاء عن زيف معسول كلمات (الرخاء) بفعل محكات (الشِّدة) في مسار التحول الوطني.

Nabd
App Store Play Store Huawei Store
X