من بداية الانتخابات الرئاسية الأخيرة في الولايات المتحدة الأمريكية والصراعات الحزبية تزداد حدتها وبعد الانتخابات وفوز «دونالد ترامب» على منافسته من الحزب الديموقراطي «هيلاري كلنتون» -التي كانت المفضلة بين كل المرشحين من الحزبين- والسياسة الأمريكية في حالة احتضار، وأتت ولادة المتناقضات التي كانت شعارات خلال الحملة الانتخابية لتبشر بأن نصيب أمريكا من الفوضى الخلاقة التي بشرَّت بها «كونداليزا رايس» وزيرة الخارجية السابقة في ولاية «جورج بوش» الابن حطت رحالها على أمريكا بين المحيطين الهادئ والأطلسي وكان من أول ضحاياها «أوباما كير» ومعاهدة التجارة عبر المحيط الهادئ بين أمريكا والصين واليابان وكندا وكوريا الجنوبية. والعاصفة السياسية بامتياز حلت بمظاهر وتصرفات غير مسبوقة في ظل الدستور الأمريكي الفريد من نوعه بين دساتير العالم. وقد جرت العادة أن تكون المائة يوم الأولى من ولاية الرئيس المنتخب بمثابة شهر عسل مطول يتمتع خلالها الرئيس بأبهة المنصب ويتأقلم مع الروتين والتعامل مع الأزمات ويتكيف مع مسؤوليات الحكم في أكبر دولة في العالم عسكريًا واقتصاديًا ،ولكن السيد «ترامب» أبى إلا أن يجعلها إعصار تورنادو سياسياً على غرار ما تعودت عليه أمريكا خلال مواسم العواصف الطبيعية التي كثر عدد تكرارها حتى اقتربت من استهلاك كل الحروف الأبجدية كما تعود الأمريكان على تسميتها. ولكن «ترامب استورم» لم تقتصر على أمريكا بل إنها عولمية حتى الذروة حيث امتدت آثارها إلى كل مناطق العالم الجغرافية والسياسية والاقتصادية على نمط زلزال شامل حطم مقياس رختر الشهير، وتعدت ريشة العداد أقصى درجات القياس حتى فقد المحللون وخبراء السياسة العالمية والقانون الدولي القدرة على التنبؤ بأي توقعات لما يمكن أن يحصل فيما بعد. ولا أعتقد أن «كونداليزا رايس» التي ابتكرت نظرية الفوضى الخلاقة كان في حسبانها أن تلك الفوضى ستضرب القارة الأمريكية من المحيط إلى المحيط وعلى يد رئيس من الحزب الجمهوري المعروف عنه المحافظة والسياسة المتأنية والمدروسة بعناية فائقة ،وهنا انطبق عليها مقولة الكاتب الفرنسي( المنتقم اعتلى القلعة وحطمها من الداخل) وهو يصف انقلاب عميل الاستخبارات الشهير «كيم فيلبي» الذي كان عميلًا مزدوجًا لصالح الاتحاد السوفيتي والذي استطاع الهروب من بيروت -قبل القبض عليه بفترة وجيزة- حيث كان يقيم ويعمل وكان مقرراً له أن يذهب إلى سهرة مع زوجته وطلب منها أن تسبقه للحفل وهو اتجه لبارجة سوفيتية كانت تنتظر في جنح الليل على شواطئ بيروت نقلته إلى موسكو هاربًا من مصيدة الاستخبارات الغربية التي كانت تتابعه واستقر حتى مماته في موسكو. والمقارنة هنا أن «فيلبي» كان من أبناء الطبقة الارستوقراطية يحظى بالمال والجاه و»ترامب» أيضًا من الأثرياء المشهورين في أمريكا والعالم. «فيلبي» كان يعمل للشيوعية ضد الرأسمالية و «ترامب» يعمل للانعزالية ضد الانفتاح والعولمة التي أوصلته إلى البيت الأبيض. عاصفة «ترامب» لازالت فاعلة تهز الكرة الأرضية بقوة تأثيراتها ولكنها عاصفة خلاقة بحق بخروجها عن المألوف في السياسة الأمريكية ولا أحد يستطيع أن يحدد منتهاها لأن الرجل يملك مفاتيح السلطة وبيده إصدار القرارات وإبعاد من يشاء وتقريب إليه من يشاء. وربما يتطلب الأمر استدعاء صاحبة نظرية الفوضى الخلاقة لشرح وتوضيح وربما مساءلتها عن أسباب إخفاقها في تحذير الشعب الأمريكي بأن أطروحتها ستنطبق على أمريكا مثلما كان مخططاً لها أن تنحصر في دول منطقة الشرق الأوسط التي كانت الهدف الأساسي لتنبؤات السيدة «كونداليزا رايس».

وعاصفة «ترامب» الخلاقة تثبت أن كل الدول معرضة للإصابة بداء الشيخوخة ،وقد حان الوقت لأن تأخذ أمريكا نصيبها من ذلك وعلى يد الحكيم الملياردير «دونالد ترامب».