تم تكريم مصر في مهرجان الجنادرية، والجناح السعودي في مصر حصد المركز الأول؛ هذه الفعاليات الثقافية بين البلدين، تؤكد العلاقة الثقافية الاجتماعية بين مصر والسعودية على مدى عقود موغلة في عمر الزمن، بالإضافة إلى الأهمية الاستراتيجية للدولتين على المستوى الإقليمي والعالمي، لكن الروابط الاجتماعية والثقافية تظل وثيقة ولا تتأثر بالتذبذبات السياسية التي تتغير وفقاً للمواقف والتوجهات بما يحقق المصالح الوطنية لكل دولة.

صلات وعلاقات بين المصريين والسعوديين أكد عليها هذا الحراك الثقافي والتفاعل المصري السعودي، واحتفاء كل منهما بالآخر، فالمثقف السعودي مرتبط بمصر وجدانياً وفكرياً لأن مصر كانت ولا زالت منارة ثقافية ورافداً ثراً من روافد العلم والمعرفة نهل منها السعوديون منذ عصر النهضة العربية التي بدأت مطلع القرن العشرين، واستمرت رغم الظروف السياسية والاقتصادية التى أثرت على النمو الثقافي والفني في مصر لفترات قليلة إلا أن النهوض دائماً قوي، كما لا يمكن إنكار الصعود العلمي والثقافي السعودي على كل المستويات إلا أن الثقافة المصرية لها نكهة مختلفة بتنوع أشكالها وعمقها التاريخي، كذلك ارتباط المصري بالسعودية ليس فقط ارتباطا ماديا بل وجدانياً وثقافياً ودينياً.

التأليف والنشر ومعارض الكتب في الرياض وجدة أصبحت جاذباً مهماً لدور النشر العربية والمصرية على الخصوص وأصبح المثقف السعودي مستهدفاً من قبل دور النشر المختلفة، والمنتج الفكري والأدبي السعودي لا يقل جودة وإبداعاً وتميزاً عما يماثله في الجانب الآخر، خصوصاً خلال هذه الطفرة الثقافية التي بدأت إرهاصاتها مطلع الألفية الثالثة، قرن من الزمان فاصل عميق وطويل لكن المثقف السعودي لم يكن معزولاً تماماً عما يجري حوله بل كان ينهل من كل الروافد الأدبية والفكرية بشغف توارثته الأجيال ولهذا نجد الإقبال على الكتاب من السعوديين في كل معارض الكتب مرتفعاً ومثيراً للاهتمام، مهما ارتفعت أسعار الكتب كما حدث هذا العام في معرض كتاب القاهرة للظرف الذي يمر به الجنيه أمام الدولار إلا أن المثقف السعودي مستهدف رئيسي في سوق الكتاب حتى أن السياحة الثقافية المرتبطة بمعارض الكتب أصبحت علامة فارقة من علامات المثقف السعودي.

لا يمكن إنكار تأثير السينما على الوجدان العربي، هي التي أحدثت هذا الأثر في الوجدان العربي، فأصبح يعرف اللهجة المصرية وتفاصيل الحياة اليومية، ويطرب لموسيقاهم ومطربيهم وملحنيهم، في كل الوطن العربي من لا يعرف أم كلثوم وعبد الوهاب ونجاة الصغيرة وفاتن حمامة وعبد الحليم وهند رستم ونعيمة عاكف، إحسان عبد القدوس، نجيب محفوظ، وأحمد شوقي، حافظ إبراهيم، مصطفى محمود، وزكي نجيب محمود، أسماء كثيرة لا يمكن حصرها في هذه المساحة لكنهم أحدثوا هذا الأثر في هذه العلاقة الوجدانية بين مصر والسعودية، حتى المسرح « أبو الفنون» كما يطلق عليه، مع أنه لم يجرؤ على تخطى حدودنا لأننا كنا نمر بفترة نكوصية ولا نعرف متى نتحرر منها، إلا أن المسارح في مصر كانت تمتلئ بالسعوديين في الإجازات، أطفالاً وكباراً، شيباً وشباباً، كانت ضحكاتهم تصدح في جنبات المسارح المصرية، كثير من السعوديين درسوا في مصر قبل فتح المدارس النظامية في السعودية، كما مثَّل الكِتَاب المصري المورد المعرفي الأهم للمثقف السعودي، كذلك معرض كتاب القاهرة يشكل لكثير من السعوديين فعالية مهمة تستحق شد الرحال إليها، الأجواء الثقافية التي يوفرها معرض الكتاب في القاهرة مختلفة، على مدار اليوم والساعة فعاليات ثقافية، وهذا العام استطاع الجناح السعودي أن يفتح صدره للمبدعين السعوديين ودور النشر السعودية، مع انحيازي لوزارة الثقافة وعدم تقبل فكرة إشراف وزارة التعليم العالي على معارض الكتب إلا أني أعترف بتميز المشاركة هذا العام، وانفتاح الجناح السعودي كمنصة توقيع مهمة وضعت المبدع السعودي تحت الأضواء، وتوثيق اللحظة بواسطة قناة الثقافية، فتحولت حفلات التوقيع إلى ندوات شعرية، والجناح السعودي إلى قطعة عزيزة من الوطن، تجمع السعوديين والسعوديات في الجناح المكتظ بالزوار من كل الجنسيات بحضور الملحق الثقافي الإنسان الخلوق الدكتور خالد النامي ببساطته واهتمامه بالجميع، ونزعته الإنسانية في تعامله مع زوار الجناح السعودي، فالثقافة هي الأم التي تلم.