منذ أقل من خمسة أشهر، انعقد في الرياض الاجتماع الوزاري المشترك الخامس للحوار الإستراتيجي بين دول مجلس التعاون لدول الخليج العربي وتركيا، شمل البيان الختامي للاجتماعات يومها، توافقًا متقدمًا جدًا في مواقف الطرفين من قضايا المنطقة من العراق إلى ليبيا، ومن سوريا إلى اليمن، وكان الموقف من داعش وإرهابها، ومن إيران وسياساتها في المنطقة، عنصرًا أساسيًا في التوافق الخليجي التركي، من باب الإدراك المشترك لحجم التهديد الذي يشكله هذان العنصران على المنطقة، بشعوبها ودولها.

رغم هذا، كانت ثمة عوائق إقليمية ودولية أمام تحويل ذلك التوافق النظري إلى سياسات عملية على أرض الواقع، خاصةً فيما يتعلق بدور إدارة أوباما وسياساتها في المنطقة من ناحية، وبطبيعة العلاقات التركية الروسية وقتَها، من ناحيةٍ ثانية.

بالمقابل، نحن اليوم أمام عالمٍ جديد، لا علاقة له بما كان عليه العالم منذ شهور قليلة. تغيّرَ لاعبون رئيسيون، وتغيرت سياسات أساسية، فتغيرت معهما كل المعادلات. وبتنا نشهد انقلابًا كاملًا في الوضع الإستراتيجي الإقليمي والدولي يفتح «نافذة فرصة» فريدة، لترجمة اتفاق الخليجيين والأتراك إلى فعلٍ سياسي يخلق واقعًا جديدًا في المنطقة، وهي نافذةٌ بكل معنى الكلمة لأن الوضع المذكور لم يستقرّ بعد بشكلٍ واضح، إذ لاتزال هناك مناطق رخوة فيه لم تأخذ شكلها النهائي، فضلًا عن خلخلةٍ تشوبُ عملية وصوله إلى صورة نظامٍ عالمي جديد.

لكن الرخاوة والخلخلة هما تحديدًا ما يفتح نوافذ الفرص في مثل هذه الحالات، ومفرق الطريق يكمن في رؤية النافذة حين تنفتح، وفي توظيفها بمهارة وسرعة لتحقيق الأهداف، ما دامت الفرصة سانحة، وحين نجد أصابع إيران وراء غالبية القضايا التي يتفق عليها الأتراك والخليجيون، بما فيها التلاعب بداعش وإرهابها. وندرك، بتصريحات القيادات الإيرانية أن وجودها في سوريا هو محورُ سياساتها الإقليمية، يصبح طبيعيًا أن يكون التعامل معها هناك مدخلًا لتقليم أظافرها في باقي أرجاء المنطقة.

كانت تركيا تتعامل مع الوضع السوري بمنطقٍ تكتيكي، وانطلاقًا من أفكار نظرية، وهي اليوم تتعامل معه إستراتيجيًا، ومن خلال رؤيةٍ تفرضُها الواقعية السياسية، وهي نفسُ الواقعية السياسية التي تُظهر حجم المصالح المشتركة مع أهل الخليج العربي، وتستصحب حقيقة استهداف الطرفين كليهما، وتُبينُ أن التنسيق والتشاور يعطيهما سويًا أوراقًا إستراتيجية تتعلق بصناعة حاضر المنطقة ومستقبلها.

ثمة اليوم من يدرك، من العرب، هذه الحقيقة، ويعمل بمقتضاها، ليس فقط لمصلحة سوريا وشعبها، وإنما لإدراكه باستحالة تحقيق المصلحة الوطنية، أصلًا، في معزلٍ عن التعامل مع الوضع السوري بكل حيثياته.

خاصةً وأنه كانت هناك محاولةٌ لإقناع العرب جميعًا بـ»الاستقالة» من الشأن السوري، وتمَّ تقديم الفكرة في لَبُوسٍ من البراغماتية والحكمة السياسية، لإعادة تأهيل بشار الأسد ونظامه، على أساس أن هذا يجري بموافقة أمريكية، وأنه «أمرٌ قد تَوجّه»، كان هذا في الحقيقة توجُّهَ أوباما، الذي قلنا في هذه الصفحة منذ شهور أن «القلق العربي من تصريحاته يبدو مبالغًا فيه، والأرجح أن إرث وسياسات و(عقيدة) هذا الرئيس.. ستخرجُ معه في الصناديق التي سيحملها يوم مغادرته البيت الأبيض».

هذا ما حصل تحديدًا، وما يهمُّ -راهنًا- ملايين العرب والسوريين المهددين في أصل وجودهم، من الإدارة الأمريكية الجديدة، هو موقفُها الحاسم، حتى الآن، من إيران وداعش، وإذا اجتمع الجهد الخليجي والتركي مع ترتيبات أمريكية، بحسابات روسية جديدة، فإن وقف سببي الفوضى الكبيرة في المنطقة عند حدّهما، وبشكلٍ نهائي، يصبح مسألة وقت، وهذا كله يبدأ برحيل بشار الأسد الذي يتمسك الإيرانيون برمزية وجوده سياسيًا، كقاعدةٍ أساسية لمجمل سياساتهم ومخططاتهم.

بإنشاء مناطق آمنة للسوريين في شمال البلاد وجنوبها، وبتحويل الجيش الحر إلى نواةٍ للجيش الوطني السوري، تنعدم تدريجيًا الدواعي النفسية والعملية والفكرية لانتشار الإرهاب في شعوب المنطقة، وتُحاصرُ داعش في دوائر صغيرة يمكن القضاء عليها، وتُحاصرُ معها إيران وعملاؤها، وتخف ظاهرة اللاجئين بكل تأثيراتها السلبية، وتنفتح إمكانيات ظهور بديلٍ سياسي وعسكري للأسد ونظامه في سوريا، يساعد على ترسيخ الأمن والاستقرار في المنطقة.

ثمة احتمالان لا ثالث لهما، فإما أن تبقى هذه الأمور أمنيات، أو تُصبح أمرًا واقعًا يحقق كثيرًا من المصالح للشعوب والحكومات، والعنصر الحاسم بين الخيارين هو وجود الإرادة السياسية، ومعها الثقة بالقدرة على فعلٍ سياسي مبدع، في عالَمٍ سيرياليٍ معاصر، أظهرت الوقائع إمكانية حدوث المستحيلات فيه.