الأحد الماضي وأنا على مشارف مطار القاهرة لرحلتي إلى بيروت شعرت بالحزن لأني أغادر القاهرة والأمطار تنهمر بغزارة، حزن المفارق لأعز الحبايب. لأننا دون عباد الله نشتاق لهطول المطر كعاشق أضناه الشوق، ونفرح بالمطر كالأطفال يوم عيد، رؤية نتف الغيوم على صفحة السماء تحرك داخلنا ذلك الطفل القلق المنتظر لحظة اللهو، نخطط لاستقبال المطر من لحظة ظهور السحب، نزهة برية أو بحرية نتحرر من كل العوازل والأسقف الإسمنتية والنوافذ والأبواب كي نتوحد مع الأرض والسماء، وتلك البهجة الطفولية تمعن في دفق مشاعر الفرح والاشتياق، ليوم ماطر جميل نستقبله بـ « المعدوس»،وإذا برد الجو قليلاً نجهز التمر والجبن البلدي والسحلب في العصاري، كل هذه المشاعر والاستعدادات أصبحت مؤجلة ونحن نترقب هطول المطر بالخوف، بعد حوادث سيول جدة ولكل صباح غائم قصص وحكايات من الخوف والاستعدادات ورهبة الخروج من المنزل.

لم أكن أعلم أن الأجواء الغائمة والماطرة ستستقبلني في بيروت، كانت الأمطار تغسل شوارعها وبناياتها، استمر هطول الأمطار حتى مساء الاثنين وصباح الثلاثاء وأنا أغادر بيروت إلى القاهرة، يومين والأمطار تهطل والحياة تسير طبيعية دون تعطيل الدراسة أو غرق الشوارع أو مشاعر الخوف من الغرق التي تنتابنا في مواسم المطر، بيروت كانت ساكنة في ذلك اليوم الثلاثاء 14 فبراير، ليس سكون خوف من الأمطار، ظننت الأمر طبيعياً في بيروت احتفالاً بعيد الحب، لكن السائق صحح لي المعلومة، بل إجازة رسمية لذكرى مقتل رفيق الحريري.

عدتُ فجر الخميس من القاهرة إلى جدة، لأستمع وأتابع مآسي السيول التي اجتاحت الجنوب والمنطقة الشرقية والرياض ومناطق أخرى، أعداد البلاغات التي تلقاها الهلال الأحمر كما جاء في إحدى الصحف: « تلقت هيئة الهلال الأحمر خلال يومي الثلاثاء والأربعاء الماضيين بلاغات عن أكثر من 273 إصابة، بينها حالة وفاة نتيجة الحوادث فقط التي سببتها الأمطار... كما أن الهيئة سجلت «306 «حوادث سيارات وست حالات صعق كهربائي، و12 إصابة سقوط».

أكثر ما يستفزك وأنت تقرأ تصريح المسؤول تحميل المواطنين مسؤولية الغرق والصعق نتيجة عدم اتباع إرشادات المرور والدفاع المدني، هذا موضوع آخر ولكنه لم يعد هو المشكلة خلال سنوات التطرف المناخي وهطول الأمطار بكميات كبيرة تغرق كل شيء، حتى ذلك الذي جلس في داره لا به ولا عليه، فجأة وجد نفسه يغرق هو وأطفاله ومنزله، هذا ماذا يفعل، ويتبع أي إرشادات؟! الذي كان يسير في الشارع في طريقه إلى بيته أو عمله ووجد نفسه وسط سيل جارف كيف يتبع الإرشادات؟ السيول حولت الشوارع إلى أنهار جارية يا سادة، ماذا يفعل المواطن بالتعليمات والإرشادات؟! حوادث الأمطار التي عانت منها مدن المملكة من شمالها لجنوبها ومن شرقها لغربها لوسطها، أصبحت عادة سنوية، لم يعد استقبال هطول المطر إلا على قرع طبول الخوف، وظل الاشتياق للغيم والمطر متوارياً لكن الفرح يظهر عندما نصادف في سفرنا غيوماً وأمطاراً نشعر بالسعادة والرضا وكأننا ضمنا أمننا وأمن صغارنا بعيداً عن البنى التحتية الضعيفة والمهترئة، وبعيداً عن هذا الصمت الذي يعقب كل حوادث الأمطار، والاستنفار الذي يترافق مع السيول والكوارث!

لماذا تتكرر المشكلة سنوياً؟ حتى في جدة « شوية « مطر قادرة على إغراق الشوارع والطرقات والأرصفة، وبدلاً من الفرح برحمة ربنا التي تغسل كل شيء حتى النفوس من الحزن والألم، ندعو « اللهم حوالينا ولا علينا «! لماذا لا تقام السدود لتجميع مياه الأمطار التي تهدر كل عام، ولماذا لا يمنع البناء في الأودية ومجاري السيول، ويعاقب كل من له صلة بتخطيط وبيع وتصريح وبناء الأودية ومجاري السيول ويتم تعويض أصحاب البيوت المغرر بهم بمنازل أخرى على حساب المتورطين في قضايا تحويل الأودية ومجاري السيول إلى مخططات سكنية، والمتورطين بتمديدات تصريف مياه الأمطار التي لا تستوعب كميات الأمطار المتساقطة، والمتسببين في الحفر والمطبات وتخطيط المدن والشوارع التي تتجمع فيها المياه، ولماذا نعتمد على شفط المياه المتجمعة في الشوارع بالطرق البدائية منذ سكنت جدة من أكثر من أربعين سنة ومياه الأمطار تشفط بالوايتات، أين مشروع تصريف مياه الأمطار على مستوى الوطن؟ إلى متى نعاني من الخوف قبل المطر والغرق كل موسم أمطار؟!