اللقاء الذي أجرته قناة (Mbc) مع المعارض الروسي «جرونوفسكي» قبل عقدين مضيا لازال عالقًا في ذاكرتي، لا زلت أذكره وهو يمسك بعصا، معلقة أمامه خريطة للعالم يشرح فيها أماكن الصراع التي يشهدها العالم، مدللًا على أن المسلمين هم مصدر الإرهاب الذي يشهده العالم، وضع (عصاه) على العراق، أفغانستان، الصومال، كمناطق صراع، ومن ثم استدار «جرونوفسكي» واضعًا مؤشر عصاه على القارة الأوروبية، والأمريكية، وأستراليا، ودول الشرق الأقصى، متسائلًا: (لماذا شعوب هذه الدول تعيش في أمن وأمان)، وأجاب على سؤاله: (لأن عقليات الشعوب تختلف، ولأنهم أكثر نضجًا).. كان «جرونوفسكي» يشير من بعيد في حديثه، على أن الدين الإسلامي دين التطرف، مستغلًا –للأسف- الأعمال الإرهابية التي يقوم بها بعض المتطرفين الذين اتخذوا من الإسلام شعارًا يُشوِّهون به سماحة الدين الإسلامي، وهم بعيدون كل البعد عن الإسلام.

لقد أعطت الجماعات الإرهابية، ودعاة التطرف الفرصة لـ»جرونوفسكي» وغيره من الحاقدين على الإسلام فرصة تشويه الدين الإسلامي، فهناك قوائم أُعدّت كشفت عن وجود (18) تنظيمًا تنتمي للدين الإسلامي، كالقاعدة، وأبوسياف، والجهاد بالمغرب الإسلامي، وأنصار الإسلام الكردي، والجماعة الجهادية بالجزائر، وعصبة الأنصار، والجهاد المصري، وجيش عدن، وحركة أوزبكستان الإسلامية، وجيش محمد، وجماعة الأنصار، وحركات إسلاميو شرق آسيا، وعسكرطيبة الباكستانية، وبوكو حرام في نيجيريا، هذه الجماعات المتطرفة والذي أساء أكثرها للدين الإسلامي لها أهداف سياسية، وتتستر خلف راية الإسلام، يسلط الإعلام الغربي الضوء عليها إمعانًا في التشويه، ورغم كثرة المنظمات الإرهابية في زمننا الحاضر، إلا أن كلًا منها تعمل لصالح أنظمة معينة تسيطر عليها الطائفية وتعمل على زعزعة الأمن وتفكيك النسيج الاجتماعي والتشكيك في الثوابت، وحوّلت دين التسامح إلى دين عنف، رغم أن تلك المنظمات لا تُمثِّل إلا نفسها والدول التي تقوم بتمويلها، وتعكس تصوُّرها الخاطئ لرؤية الدين.

لم يتفهم «جرونوفسكي» بأن المشكلة هي ليست في الدين الإسلامي الذي يدعو إلى الرحمة والتقارب ويُحرِّم القتل ويُجرِّمه، بل المشكلة تكمن في التطرف وتحويل الدين إلى برنامج عنف يتمثل في جماعات متطرفة تُفسِّر الدين بطريقتها، وتعكسه في سلوكها حيال مجتمعها وحيال الآخرين، وتنتهج العنف لتحقيق هذا التصوُّر، إضافةً إلى أن هذا التشدد ليس قاصرًا على المتطرفين من المسلمين، بل وموجود لدى المتشددين المسيحيين، ويُمثِّله اليمين المسيحي الإنجيلي المتشدد، ولدى الأصولية اليهودية المتطرفة، وفي الهندوسية.