بغض النظر عن النوايا الطيبة من جانب المعارضة السورية، وهي وفيرة؛ والاتهامات المتعددة الموجهة لها من أطراف عديدة، وفيها مشروعيةٌ أكيدة؛ يضيع الحوار فيما يتعلق بأداء المعارضة، ورؤيتها وممارساتها، في زواريب تحكمها ظروفٌ شخصية وحزبية وأيديولوجية تحيط بعملها.

رغم كل المحاولات، ثمة حلقةٌ مفقودةٌ لاتنال نصيبها المقدّر من البحث والمتابعة. والمعارضة تتابع الدوران، على مدى ثلاث سنوات على الأقل، في حلقات مفرغة من قضايا تنحصر في الترتيبات التنظيمية والهيكلية والإدارية، وبسياق تغلب عليه المماحكات الداخلية من جهة، ومحكومٌ، لدرجةٍ مبالغٍ فيها، من جهةٍ ثانية، بالاستجابة لضغوط وتوجهات إقليمية ودولية خارجية لاتراعي دائماً المصلحة العليا للسوريين.

لانعتقد هنا أن الضغوط المذكورة من جميع الجهات تناقض مصالح السوريين، بل إن فيها ما يمكن أن يقوي موقفهم السياسي. لكن المفرق في القضية يكمن في الانتقال من طريقة عمل عشوائية بدرجةٍ كبيرة في هذا الإطار، بحثاً عن رؤية، ثم ممارسات، وفكر سياسي متقدم، آن الأوان لها أن تنبع من التجربة الطويلة والقاسية للسوريين على مدى ست سنوات.

من هنا، تأتي أهمية مشاريع جدية محترفة سورية، تتكلم لغة العصر وتستخدم أدواته ومفاهيمه وآلياته، لتكون رافداً لعمل ساسة المعارضة، ورافداً يزودهم باستشارات وأوراق عمل ودراسات تضع بين أيدي مؤسساتها أوراقاً استراتيجية هامة تفرض احترامها في دوائر المفاوضات من طرف، وتشكل، من طرف آخر، ذخيرةً في غاية الأهمية من تراكمٍ علمي وعملي تنتج عنه أنظمة وهياكل تشكل تدريجياً نواة النظام الإداري والسياسي والقانوني والدستوري لسوريا الجديدة. وكم من مرة سمعنا، وسمع المعنيون في المعارضة، من القوى الدولية، وفي مقدمتها «أصدقاء سوريا».. عبارة: ليس لديكم شيء محترف، بمعنى أنظمة قانونية ودستورية، يمكن أن يُظهر أنكم تفكرون وتعملون وفق مقاييس تفكير وعمل (رجال الدولة).

منذ اللحظة الأولى لإنشاء المجلس الوطني السوري، وحتى الآن، لاتزال أكبر (تهمة) توجه للمعارضة السورية افتقارها إلى مثل ذلك النظام/الأنظمة، واقتصارُها في العمل السياسي، خاصة في المحافل الدولية، على تقديم الطلبات العاطفية، في إطارٍ من التوسل والعُند، مع الوقوف عند هذه النقطة. دونما تجاوزها إلى جهدٍ فعال ومنظم ومثابر ومحترف يتعامل مع هذا التحدي، حتى بعد ست سنوات من عمر الثورة.

بالمقابل، ثمة جهدٌ متصاعد في جهود السوريين ممن اقتنعوا بأنه بات من الفضيحة عدم التعلم من تجارب السنوات المذكورة، والعمل وفق مقتضيات هذه الدروس، خاصة على المستوى المؤسسي.

الحالات كثيرة. ومنها في هذا الإطار، كمثالٍ فقط، «معهد العالم للدراسات»، الذي بدأ عمله، فعلياً، منذ أقل من سنة، بعد تحضيرات دامت فترة مُقدّرة. وبعد فترة قصيرة نسبياً لاتتجاوز عشرة شهور، أنجز المعهد إنجازات منها: ١) تشكيل تراكم معرفي عن قرابة 14موضوعاً مختلفاً عن القضية السورية بمعدل خمسة أبحاث في كل موضوع، وبمجموع يتجاوز 90 مادة إجمالاً. والخطير في الموضوع أنها تُشكل فقهاً متقدماً للواقع السوري، لايمكن في معزلٍ عنه التعامل عملياً مع الظواهر بما يحقق المصالح العامة، ٢) إنشاء تواصل، ثم علاقات موثقة مع أكثر من 70 باحثاً وخبيراً وكاتباً ومتخصصاً في الشأن السوري في تخصصات مختلفة، سوريين وعرباً وغربيين، وصولاً لتشكيل جماعة علمية تركز على سوريا بالتدريج، 3) التركيز على الجمع بين الأبحاث التحليلية الإحصائية الاستقصائية من ناحية، وتقديم مقترحات سياسات policyproposals ، في مجالات مختلفة وهامة.

ثمة تفاصيل هامة جداً تكمن وراء هذا العرض المختصر للموضوع، يمكن تقديمها للمهتمين، والمتابعة في هذا المشروع وأمثاله هو بحد ذاته النقلة الإستراتيجية المطلوبة في عمل المعارضة، والأهم، في أي إنجازٍ ممكنٍ لها.

نطرح هذا الموضوع بشكلٍ مقصود في نفس أيام انعقاد مؤتمر جنيف4، الذي لايتوقع كثيرون أن تنتج عنه نتائج متقدمة أو حاسمة. لكن ثمة حقيقة يجب التصريح بها: لو أن الفريق السياسي للمعارضة امتلك المعطيات والأبحاث التي عمل عليها معهد العالم للدراسات، ومؤسسات سورية مشابهة، بحيث كانت هذه الأوراق للمعارضة بمثابة ذخيرة سياسية إدارية قانونية حملها معه إلى جنيف، لكان الأرجح أنه سيملك أوراقاً متقدمة جدية تعطيه وزناً وتأثيراً أقوى بكثير.

ثمة إجماع على احتمال وصولنا إلى جنيف 5 وربما 6 و 7، فهل تستمر المعارضة السورية في تعاملها مع هذه التطورات بشكلٍ تقليدي لايتغير، غارقٍ عملياً في التكتيك، وسياسياً في الأيديولوجيا والشعارات، وعملياً في مناكفات وتنافسٍ طفولي في كثير من الأحيان؟

هذا مفرق طريقٍ كبير. ومن سوء الحظ أن الخيار فيه يتعلق بثقافة تقليدية غالبةٍ على ثقافتنا السورية والعربية المعاصرة.