من المقولات العامة الجائرة ما اتهم به ابن الصحراء من جفاف عاطفي؛ بدعوى أثر البيئة في تكوينه لملازمته لها إضافة إلى عدم المخالطة وأنه يصف كما يرى، لكن المتتبع لأشعار الشعراء بمختلف وجوههم الشعرية، فصيحة كانت أو عامية، يجد أن هذه المقولة حكم عام غير مقبول، لأن من هؤلاء الشعراء من قال شعرًا يفيض رقة وعذوبة، وينساب وفاءً وحنينًا، الأمر الذي يعكس صدق الوجدان العربي الأصيل، ويعطي أنموذجًا فريدًا على هذا الشعور الصادق، وذلك الوفاء العميق، ولا غرو إن كان ديوان العرب شاهدًا على ذلك على مرِّ العصور.

من هذه الأشعار قصيدة (أأرحل قبلك أم ترحلين) التي كتبها الشاعر الكبير عبدالله بن إدريس مخاطبًا زوجته ورفيقة دربه وهو على مشارف التسعين، وكانت بشهادة عدد من النقاد «قصيدة العام»، ولم يكن هذا الحكم لجودتها الفنية فقط، بل لموضوعها غير المسبوق وجدانيًا في بيئة الشاعر، لدرجة أن غازي القصيبي قال معلقًا عليها: «إن هذه ربما تكون أول وأجمل قصيدة رومانسية كتبها شاعر من صحراء نجد في زوجته، وهو على مشارف التسعين من عمره في بيئة ثقافية «نجدية» لا يكاد الإنسان يسامر زوجته داخل بيته، فكيف يفعل ذلك شعرًا وأمام الملأ».

ويخبر شاعرها عبدالله بن إدريس عن مناسبة نظمها قائلًا: «حصل بيني وبين زوجتي أم عبدالعزيز توافق في المرض، كل منّا صار عنده الضعف الصحي، ولا ندري مَن سيرحل أولًا، فخرجت هذه القصيدة:

أأرْحَلُقَبْلكِ أمْ تَرْحَلين

وتَغرُبُ

شَمْسي أمْ تَغرُبين

ويَنْبَتُّ ما بيننا من وجود

ونسلك درب الفراق الحزين

ويذبل ما شاقنا من ربيع

تؤرجه نفحة الياسمين

وتسكب سحب الأسى وابلًا

على مرقدٍ في الثرى مستكين

فإن كُنْتُ بادئ هذا الرحيل

فيا حزن رُوْحٍ براها الحنين

وإن كُنتِ من قد طواها المدى

فيا فجعة لفؤادي الطعين

لقد كُنتِ لي سعد هذا الوجود

ويا سعدنا بصلاح البنين

هُمُ الذخر دومًا بهذي الحياة

وهم كنزنا بامتداد السنين

سلكنا سويا طريق الحياة

وإن شابها كدرٌ بعض حين

لقد كُنتُ نعم الرفيق الوفي

وأنتِ كذاك الرفيق الأمين

لك الحمد يا رب أن صغتها

خدينة دينٍ وعقلٍ رصين

تسابقني في اصطناع الجميل

وتغبطني في انثيال اليمين

فيا زخَّة من سحاب رهيف

ويانفحة من سنا المتقين

حياتي بدونك حرٌّ وقرٌّ

وأنت على صدق ذا تشهدين

وينفض سامرنا موغلا

رحيلًا إلى أكرم الأكرمين

صورة شعرية نسجت من شعور صادق وشعر يجيش بالعاطفة الزكية المخلصة، إنه تعبير واقعي عن طبيعة الرجل السعودي الوفي وإخلاصه ووفائه لمن يحب.