لم تعد الريشة والألوان أدوات الفنان ليشكل إبداعه، ولا المساحات البيضاء ورقية أو جدارية ، بل تدخلت التقنيات الحديثة والصوت والصورة لتنوع مجالات الإبداع الفني المتنامي للخيال الإنساني الذي وصفه د/ زكي نجيب محمود في كتابه «المعقول واللامعقول» بالزجاجة التي تضاعف ضوء المصباح في تشبيهه لمدركات الإنسان وعقله وخياله وحدسه بآية المشكاه في سورة النور حيث يقابل الإدراك المشكاة والمصباح العقل والزجاجة الخيال « ،على هذا النحو يتصاعد النور، أو تتدرج صور الإدراك حساً ففعلاً يصونه الخيال ، فبصيرة يوحى إليها فتهدى إلى الحق بالفطرة السليمة» لا حدود لإمكانيات الانسان، بشرط الوعي بذاته، وإمكانياته، وإطلاق خياله ليعبر به المحيطات ويطوف به الكرة الأرضية، يخلق عوالم لا حدود لها، التدريب وصقل الموهبة وتوفير الوسائل والإمكانيات لدعم قدرة الخيال وإمكانياته.

صاحبة السمو الملكي الأميرة جواهر بنت ماجد صاحبة ومؤسِّسة «مؤسَّسة المنصورية» لدعم الإبداع في الوطن/ السعودية، ولمد الجسور بين أشكال الثقافة وجمهورها، رئيسة المجلس الفني السعودي، فالإبداع الإنساني والتطلعات المتميزة تنمو باستمرار، وهذا التجمع الفني من محبي الفنون من مجتمع جدة، يؤكد أهمية دور القطاع الخاص في دعم إنتاج الفنون وتقديم كافة الإمكانيات التقنية التي أصبحت مهمة لتحقيق مساحات أكبر يحلق فيها الفنان بخياله الخصب.

كنت أتقاعس عن حضور المعارض الفنية، ظننت أني لا أستطيع قراءة الأعمال المعروضة أو أني بحاجة إلى مرشد، لأني أدرك جيداً بأن لكل مجال فرسانه، لذلك وجدت في دعوة الأميرة جواهر لزيارة معرض « سفر « في ( القولد مور مول ) بسوق الشاطىء، فرصة لكسر هذا الحاجز الذي يعوقني عن الاستمتاع بالفنون التشكيلية، في المعرض فوجئت بحضورها الجميل، ومرافقنا شاب سعودي يتركنا نكوِّن رؤيتنا وتذوقنا الخاص ثم يناقشنا فيهما حول العمل الفني الذي تسلل بنعومة إلى ذائقتنا وحرك مشاعرنا وحواسنا بالجمال والفن، أجل لم تكن الأعمال الفنية على تنوعها في معرض سفر عصية على القراءة كما توهمت أو كما كبَّلني خوفي من العجز في الوصول إلى قراءة صحيحة للرسالة التي يحملها العمل الفني.

معرض ( سفر ) هو أحد عناصر مبادرة جدة « 21،39 « ويمثل الاطار التنظيمي لفعاليات فن جدة لعام 2017م، التعليم والاكتشاف، والتبادل الابداعي، وعرض الفنون البصرية، جميعها تمثل منصة عرض لمختلف الفنون ولفنانين مختلفين، كل منهم أطلق خياله لتصوير فكرته وتشكيلها فناً مبهراً بتقنيات سينمائية وتأثيرات صوتية تستنفر مدركات وعي المتذوق والزائر .

موضوع سفر بدأ قبل المعرض بمرافقة « 6 « فنانين شاركوا في رحلات دراسية إلى برلين وكوريا الجنوبية، لاكتشاف وضعيات فنية ثقافية مختلفة أثرت قدراتهم الإبداعية. في المعرض « 16 « عملاً تمثل مشاريع جديدة لفنانين سعوديين ناشئين، شملت الرسم، التصوير، الصوت، الفيديو، وأعمال الوسائط المختلفة، وهي نتيجة حوار مكثف مع كل فنان دامت عاماً كاملاً.

عندما انتهت جولتنا في المعرض التقينا مرة أخرى بالأميرة جواهر بنت ماجد، سألتنا عن أي الأعمال أكثر تأثيراً، كنت منحازة لأعمال الفنانات لأنها تعبر عن قضايا المرأة، واستمر ميلي العاطفي منحازاً لأعمالهن في بداية كتابة هذه المقالة، لكني شعرت بأني أمارس عملية إقصائية ذقنا ويلاتها نحن النساء ولا أريد أن أرتكب إثم اقترافها، ولأن جميع الأعمال مبهرة، ولأن الفن مفهوم يشمل الإبداع الانساني بعيداً عن التجنيس لذلك أورد الأسماء والموضوع لضيق المساحة فعذراً.

تطالعك في البداية « مسلة تيماء» نصب تذكاري من القرن الرابع قبل الميلاد، ثم التركيب الفني الضخم للفنان ناصر السلوم، والصور الفوتوغرافية لمعاذ العوفي، فيديو لمهند شونو، «بدون عنوان» لماجد عنقاوي، «الصحن الفضي» لريم الناصر، «حوادث المعلمات» لمنال الضويان، «المتاهة والوقت» لزهرة الغامدي، فيديو « كنا « لمروة المقيط، «عود الكبريت» لسارة عبدة، «أعز ما أملك» لبيان عبداللطيف، «رسائل» لعبدالله العثمان، «الشمس» لمحمد الفرج.

تم تقسيم المعرض على عدد من المواقع ليجسد معنى « سفر» ،1- المول بحي الشاطئ، 2- المنزل، مأوى مهجور للنساء يعود للقرن ال « 19 « في الحي التاريخي « جدة التاريخية» ، 3- المدينة وهو التطوير الحديث لمدينة الملك عبدالله الاقتصادية، كما يضم منتدى المجلس الفني السعودي بجدة ثلاثة عناصر، الأول ورشة عمل « المشغل « دورة تعليمية تأسيسية للفنون البصرية، لمدة « 6 « أشهر، العنصر الثاني/ المفتاح، لوحات محترفة وعروض أفلام لفنانين محليين ودوليين، العنصر الثالث، سلسلة لقاءات فترة المعرض الذي يستمر « 3 « أشهر.