رب ضارةٍ نافعة، قالت العرب.

منذ أسابيع، انتشر في أنحاء العالم فيديو لطفل سوري جريح من القصف الروسي / السوري، ينادي فيه أباه قائلاً: «يابابا شيلني». أصبحت العبارة الصغيرة اسماً للمقطع، لكن اسم الطفل الحقيقي هو، للتاريخ، عبد الباسط طعّان السطوف.

بات المقطع المذكور من أكثر المقاطع تداولاً في العالم بين عشيةٍ وضحاها، ثم مالبثت هذه «الإنسانية» التائهة.. أن نسيت المشهد، ونسيت معه عبد الباسط، ومعهما شعب سوريا.

ومنذ أيام، نشرت مجلةٌ سورية مقالاً لأحد الكتاب بنفس عنوان المقطع. طرح كاتب المقال أسئلةً غاضبةً عن الأب والدولة والإنسانية، والله جلّ جلاله. باحثاً بحرقةٍ، في الأرض والسماء، عمن يحقق للإنسان بشكلٍ عام، وللأطفال تحديداً، معاني الحماية والرعاية. خاصةً في مواجهة آلة الدمار الهمجية التي يوجهها السوريون في بلادهم.

انفجر المقال في وجه السوريين، وتصاعدت تداعياته إلى حدٍ كبير، خاصةً في غوطة دمشق الشرقية، حيث مكاتب المجلة. استقالت رئيسة تحرير المجلة مباشرةً «متحملةً مسؤوليتها في ضبط تطبيق سياسة التحرير التي تحرم الاعتداء على معتقدات الناس»، كما ذكرت في بيان استقالتها.

واستقال معها نائبها، الشاب المعروف بإيمانه، قائلاً في بيانه: «كمسلم، مؤمن بالله الواحد القادر، أعتقد أن لا أحد ولا شيء في العالم باستطاعته أن يسيء لله تعالى، وإن ظن أنه يفعل، و{الذين اشتروا الكفر بالإيمان لن يضروا الله شيئاً}. وأشعر أن على الداعين [يقصد الدعاة] إلى الله أن يطمئنوا طالما كانت الطروحات المضادّة زبداً على هذا القدر أو ذاك من الرداءة». وبعد أن أكدَ أنه كان ضد نشر المقال ابتداءً، كما العديد من زملائه، أضاف قائلاً: «أشعر بأنني مدين باعتذار خاص للطفل عبد الباسط سطوف؛ فآخر ما كان ينتظره منا بعد كلّ ما حلّ به، أن نحمّل مصيبته ما لا يمكن أن تحتمله من أفكار فيها ما فيها من التقعّر والابتذال.. والإساءة!».

فوق هذا، أصدر مجلس إدارة المجلة بياناً يؤكد فيه بأن المقال «يخالف سياستها التحريرية بالتعدي على معتقدات الناس». وبعد أن أشار إلى استقالة رئيسة التحرير ونائبها، أعلن «تعليق عمل المجلة إلى حين مراجعة سياسة النشر فيها والبت في تعيين هيئة تحرير جديدة، والتواصل مع الجهات المعنية لتوضيح ملابسات القضية، وإلى حين بت القضاء بالأمر داخل الغوطة الشرقية»، مؤكداً مرةً أخرى أن «ماجاء في المقال موضوع اللغط لا يعبر عن رأيها أو توجهها أو عقيدتها وأنه لا يتوافق مع سياسة النشر فيها، وأن ما حصل من خطأ لم يكن متعمداً أبداً، وأن المجلة لا تتطرق أبداً للقضايا الدينية إلا وفق المباح في مجتمعنا ووفق القيم السورية الأصيلة، وأنها لا تروج لأي فكر ينافي معتقدات الشعب السوري الكريم».

وكما هي حالُ الثورة السورية بوقائعها وصيرورتها، تطرح الحادثة أسئلةً كبرى في أكثر من مجال، على طريق كونها ولادةً جديدة لسوريا وشعبها ودولتها القادمة، رغم أنف كلِّ كاره.

فالله، جل جلاله، أكبر وأعظم وأرحم من أن تمس جلاله كلمات إنسانٍ، أياً كانت. هذا، إن، كان المؤمن بالله يعرف ربه حق المعرفة.. وفي حين أن المقال المذكور كان شاهداً على غضبٍ بشريٍ ساخطٍ على كل شيء، غافلٍ عن مكمن المسؤولية الحقيقي.. فإن الحادثة بمجملها كانت مناسبةً لإظهار التزامٍ محترفٍ وجميل، وجديد، بتقاليد مهنة الإعلام وأعرافها، خاصةً من قبل المسؤولين عن المجلة.

صحيحٌ أن الحرية، وتحديداً حرية التعبير، كانت وستبقى أساساً في وجود الإنسان، وسبباً لارتقائه وتطوره. وهذا أمرٌ أراده الخالق تحديداً، قبل أن يُصبح مطلب البشر. لكن رحلة البحث، في هذا الشأن، عن التوازنات والموقف الوسط معرفياً / وواقعياً، تبقى ماضية. لاننسى أن العالم بأسره يبحث، خاصةً اليوم، عن طريقةٍ للتعامل مع التحدي نفسه، والأمثلة أكثرُ من أن تُحصى، من مشرق الأرض لمغربها. فكيف إذا تعلق الأمر بمخاض ولادةٍ صعبةٍ وقاسية يمر بها الشعب السوري؟

ثمة ألف حكايةٍ ومشهدٍ وقصة تصرخ مؤكدةً على إيمان السوريين. وإذا ماكفر بعضهم، بالمعاني التقليدية السائدة للكفر، في ظل الطريقة التي يتعامل بها العالم معهم، فسيبقى هذا دائماً ذنباً معلقاً برقبة العالم، ولعنةً تُلاحقُ واقعه، وعاراً على كل مايدعيه من معاني الإنسانية وشعاراتها.