حتى الآن لم تتضح صورة الإدارة الجديدة لأميركا برئاسة دونالد ترمب .. فلازال الرجل يغرد وكأنه لم يتولَّ الرئاسة بعد ، وتواصلت تحدياته للكثيرين .. كما أنه لم يتمكن حتى الآن من تعيين طاقم متكامل لإدارته توضح الصورة .. فمقابل سخريته من الناتو ( حلف شمال الأطلسي ) مثلاً يؤكد وزير الدفاع (الذي اختاره) لأعضاء الحلف أن أميركا تواصل دعم الحلف وكذلك رئيسها دونالد ترمب وبالمثل يفعل وزير خارجيته بطمأنة أوربا بأن أميركا صديق يمكن الوثوق به حتى بعد أن سخر ترمب من أوربا وقادتها ..

الجميع يتساءل من هو دونالد ترمب ، رئيس الولايات المتحدة الأميركية ، أهو المغرد الناقد الساخر الشاتم أم هو الوزراء الجدد الذين اختارهم لإدارة الدولة ؟ هل هو صديق بوتين ، الرئيس الروسي ، الذي يخطب وده أم الرئيس الأميركي الذي سمح لقواته المسلحة مواصلة الإحاطة بالأراضي الروسية بقبضة من القواعد العسكرية ؟ وماذا أيضاً عن علاقته برجال المال والأعمال في بلاده وخاصة شركات تكنولوجيا المعلومات التي أصبحت أكبر وأقوى الشركات في العالم ، هل يمكن له تحجيمها وتطويعها ؟ وكيف يمكنه التعامل مع الدولة العميقة ؟

التساؤلات عديدة ، والإجابات غير متوفرة ، ويسعى البعض الى تحليل الأمور ، متأثرين بأجهزة الإعلام ومراكز الأبحاث البريطانية والأميركية التي هي في الأساس غير راضية عن تولى ترمب الرئاسة الأميركية . ومن الصعب الحديث عن سياسي لم يمارس السياسة ، وقائد لبلاد لا سابقة له في الحكم .

الأمر الواضح في إدارة ترمب الحالية وقبل اكتمالها أنها ، فيما يتعلق بالشرق الأوسط ، راغبة وقف التمدد الإيراني بالمنطقه وتقليصه . ولكن بدون تحديد كيف سيتم ذلك . لذا مطلوب الانتظار لرؤية كيف ستتبلور هذه السياسة . أما القول بتحويل اهتمامات أميركا الى الداخل وتقليص دورها العالمي فهذا لا يتيح الواقع القائم الآن تحقيقه . فالتاريخ علمنا أن الإقتصاد هو القاعدة التي يبنى عليها الحكم ، وأنظمة الحكم تتجه حيث قادها الاقتصاد ، وإذا رغب الحاكم الحد من المسيرة الاقتصادية سقط الحاكم وواصل الاقتصاد مسيرته . والوضع الأميركي اقتصاداً وسياسة لا يختلف في هذا الأمر .

وحين كان الأوروبيون يحولون بلدان آسيا وأفريقيا الى مستعمرات لم يرسلوا الجيوش بل قبلوا قيام تجارهم بإنشاء شركات تجارية تتولى هذا الأمر .. وخلال عام (1600) ميلادية وما بعدها أنشأ كل من البريطانيين والهولنديين والدنماركيين والبرتغاليين ما اتفق على تسميته حينها « شركة الهند الشرقية « كل منهم شركة مستقلة ومنحت هذه الشركات حقوق التجارة في آسيا بصلاحيات شبه حكومية ، بما في ذلك حق شن الحروب وإقامة المستعمرات وإدارتها بل وصك عملاتها الخاصة . واستعمرت الشركة البريطانية الهند والصين بينما استعمر الهولنديون أندونيسيا وشنت الشركات الحروب ضد بعضها البعض باسم حكوماتها .

اليوم شركات الهند الشرقية الاستعمارية تركزت بشكل رئيسي في أميركا إذ إن الاقتصاد الأميركي أكبر اقتصادات العالم تقدماً وفيه تنشأ الشركات الضخمة . وتقوم الشركات فيه بالاندماج في شركات أضخم وأقوى تجعل بروز منافسين لها بأميركا وخارجها صعباً جداً ويمتد نشاط هذه الشركات على ساحة العالم ، وليس آسيا فقط ، وأكبرها إطلاقاً بالقيمة السوقية شركة أبل يليها الفابت فيمكروسوفت ( حسب إحصاءات العام الماضي 2016 ) ، وهي شركات عابرة للقارات ولن تسمح لترمب بتقليص نشاطها .. لذا نواصل التساؤل ما الذي تسعى إدارة ترمب تحقيقه داخلياً وخارجياً ؟