في أحد برامج بي. بي. سي. هيئة الإذاعة البريطانيَّة العربيَّة، تابعتُ جولة إذاعيَّة لإحدى مراسلات المحطَّة في دولة الإمارات العربيَّة المتَّحدة، وفي العاصمة أبوظبي تحديدًا، وهذه الجولة كانت مرافقة لإحدى «دوريات السعادة»، كما تُسمَّى في الإمارات التابعة لوزارة السعادة عندهم. وفوجئت أنَّ دوريَّات السعادة هي دوريَّات شرطة عاديَّة، ويدخل في اختصاصها المرور بالدرجة الأولى، وركبت المراسلةُ سيَّارة الشرطة، وغطَّت بعض الوقائع في شوارع أبوظبي، وكان أولها إيقاف الدوريَّة لسيدة إماراتيَّة تقود سيارتها في أحد شوارع العاصمة، وعند وقوفها طلب منها شرطي المرور أن تبرز رخصتها، واستمارة السيارة، وتأمينها، وإذ بها جميعًا «مطوَّفة» أي منتهية منذ سبتمبر الماضي، وسألها الشرطي بأدبٍ جمٍّ: لِمَ لَمْ تجدِّدي كلَّ هذه الوثائق المهمَّة؟ فلم تتعذَّر بمرضٍ، أو ظرفٍ اجتماعيٍّ معيَّنٍ، بل قالت -بكل صراحة-: إنَّها لم تجد الوقتَ الكافي لتجديد كلِّ هذه الوثائق! فعاد الشرطي وسألها: وهل تعدينني بأن تجدِّديها جميعًا خلال الأيام المقبلة؟ قالت: نعم، بالطبع، أعدُكَ بذلك. حينها شكرها الشرطيُّ، وسمح لها بالمرور، وإكمال مسيرتها، بعد أن قدَّم لها نصائح مهمَّة تتَّصل بضرورة تجديد الرخصة، والتأمين خصوصًا، ومضت بكلِّ سلامٍ. حدث هذا على مرأى ومسمع من مراسلة بي. بي. سي، التي علَّقت على الواقعة، وقالت: لو أنَّ كلَّ هذه المخالفات ضُبطت في أيِّ مدينة في بريطانيا؛ لترتَّب عليها غراماتٌ قاسيةٌ جدًّا، وقد تُصادَر السيَّارة، وقد تُسجن السائقة. وأضافت: إنَّ هذا التصرُّف الحضاري الإنساني، الذي بدر من الشرطيِّ كفيلٌ بأنْ ترتدعَ السائقة عن كلِّ هذه المخالفات، وتبادر في تجديد وثائقها كلّها في اليوم التالي. أمَّا الواقعةُ الثانيةُ التي شهدتها المراسلة، فكانت إيقاف الشرطيِّ المهذب لسيَّارة يقودها شخصٌ أجنبيٌّ، قد يكون فلبينيًّا في الغالب (كما تبيَّنت من لكنته في نطق الإنجليزيَّة)، وطلب منه الشرطيُّ إبرازَ كلِّ أوراقه، ووجد أنَّ الرخصةَ، والاستمارة، والتأمين جميعها سارية المفعول، ومجدَّدة، كما كان السائق يربطُ حزام الأمان، إضافة إلى شروط مستوفاة كثيرة أخرى. حين ذلك قال الشرطيُّ للسائق: انتظر سنعطيك «قسيمة»، قالها بالإنجليزيَّة، وعلى ما يبدو أنَّ جميع أفراد الشرطة في الإمارات متعلِّمون، ويجيدون الإنجليزيَّة، فذُهل السائقُ للحظة، وبدا عليه الارتباك حتَّى أحضرت زميلة الشرطيِّ قسيمةً وأعطاها الشرطيُّ للسائقِ، وهي قسيمةٌ ماليَّةٌ بمبلغ مئتي درهم أعطاها هديَّةً للسائق؛ مكافأةً له على التزامه التام بقواعد المرور وتعليماته. فسُرَّ الفلبينيُّ أيَّما سرور بهذه القسيمة، التي تُسمَّى «قسيمة السعادة»، ووعد بأنْ يخبرَ عنها كلَّ أفراد عائلته، وأصدقائه، وخصوصًا زوجته ليلتزموا حرفيًّا بأنظمة المرور، فينالوا «قسيمة السعادة»! وعادت المراسلة مرَّة أخرى لتقول: إنَّها لم تشهد شيئًا كهذا في حياتها، لا في بريطانيا، ولا أيّ دولة نامية، أو متقدِّمة.

ونحن بدورنا لابدَّ من أن نعجب بسلوكٍ حضاريٍّ كهذا، يدخل السرور على قلوب المواطنين، والمقيمين، ويرغبهم في اتباع الأنظمة، والقوانين طواعية، دون إجبار أو إكراه، وما أحرى رجال المرور والشرطة عمومًا بأن يتبعوا مثل هذا السلوك الحضاري الإنساني والإسلامي بالدرجة الأولى مع المخالفين وغيرهم، بدل ما بتنا نسمع عنه من اختباء بعض رجال المرور وتخفِّيهم عن أعين السائقين؛ ليصوِّروا لوحات سياراتهم ويغرِّموهم مبالغ طائلة؛ لوقوف خاطئ، أو مخالفة أخرى، ناهيك عن هذه المبالغ الفلكيَّة التي أصبحت تقصم ظهور المواطنين في المخالفات المروريَّة التي يصل بعضها إلى ضعف راتب المواطن، فهلَّا فكَّرنا في إدخال «السعادة» والسرور على قلوب المواطنين؛ حتَّى لو لم تكن عندنا وزارة للسعادة؟ وليكن ذلك بالتعامل الحضاري الإنساني، ولو بدون «قسيمة السعادة».