تطالعنا وسائلُ الإعلام بقصص عجيبة، عن توتر وتصاعد في العنف اللفظي والبدني في بعض بيئات العمل، تستوقفني تلك المواقف الغريبة في المدارس والجامعات، والتي استجدَّت في الآونة الأخيرة، ولم نعتد عليها في مجتمعنا؛ لنطرح تساؤلاً يستدعي التأمُّل ومراجعة النَّفس، ما الذي جعلنا في حالة مستمرة من الغضب؛ حتَّى يصل بنا الحال إلى ماهو عليه؟

مَن المسؤول عن اختيار بعض القيادات الإداريَّة الضعيفة، والتي تختار مَن يكون حولها من الحاقدين والحاسدين، ومَن لهم مصالح خاصة؛ ليكونوا هم العين التي يرون بها، والأذن التي يسمعون بها، والعقل الذي يفكرون به، ويحكمون به على الآخرين من خلالهم؟.

على مدار عشرين عامًا قضيتها في أروقة المدارس، وبيئات التعليم، عرفتُ من البشر أنماطًا مختلفة في توجهاتهم ورؤاهم، ولم أعانِ في حياتي أكثر من معاناتي من تقلُّبات أمزجة بعض القيادات، إنْ رضوا عنك رفعوك، وإن غضبوا عليك بما يصل لأسماعهم أقصوك! هل يغفلون -في لحظات عجب بمنصب تقلَّدوه- أن هناك رقيبًا وحسيبًا سيلتقي عندَه الخصومُ يومَ لا ينفعُ مالٌ ولا بنُون إلاَّ مَن أتَى اللهَ بقلبٍ سليمٍ؟.

رحماك ربي، ماذا حلَّ بنفوسنا وأحوالنا حتَّى تحوَّلت العلاقات البشريَّة إلى عداوات؟ وأين ذهبت المهنيَّة في بيئات العمل؟ والأصعب عندما نقول التربويَّة، فيتحوَّل التنافس بيننا إلى تنافس غير شريف، بل ونتَّهم -زورًا وبهتانًا- بعضنا البعض، بتُهمٍ لا تليق، وتشويه للحقائق لأنَّ فلانًا لا يروق لي. ليس من مصلحة الوطن التشكيك في القدرات، ولا الإقصاء ورمي التهم جزافًا.

تحكي لي معلمة عن معاناتها مع مديرتها، كيف تتَّهمها بتهمٍ كثيرة من بينها التسلُّط والظهور على حساب زميلاتها، وأنَّها تسرق جهودهنَّ وفكرهنَّ من أجل علوِّ شأنها، وتلك التي تحاول مشرفتها بأن تبحث عن أي حجَّة تمنعها من الترشح لمنصب قيادي، وتتساءل: هل يُعقل أنَّ موظَّفة لا تغيب ولا تمرض؟.

كيف يمكننا التعايش بسلام فيما بيننا؛ لنبني الوطن وقلوبنا شتَّى في بيئات العمل؟ الضعيف وحده مَن يكيل التهم للآخرين، ومَن توقَّفت قدراته عند المكائد والحيل غير السويَّة ليُثبت لذاته المريضة غير القادرة على العطاء بأنَّ العيب في الآخرين وليس فيه، ليتنا نستطيع أن نكشف سجلات الإنجاز لكلِّ فردٍ منا على طاولة واحدة، وحينها يكون المحك الحقيقي: ماذا قدَّمنا للوطن وأهله، منذ أن كُلِّفنا بأعمالنا؟ وعند الله لا يضيع أجر من أحسن عملاً. لنتقِ اللهَ قبل أن نقف بين يديه، ويأخذ كل منَّا حقَّه من الآخر في يومٍ عصيبٍ، هناك مَن يسامح، وآخر يطلب القصاص من لدن ربٍّ لا تضيع عنده الحقوق.