انتصر الاعتدال في هولندا ، وخسر التطرف ، إنما يبقى القلق من جذب أو دفع المتشددين لأوروبا في أحضان التطرف .. وقد تميزت الانتخابات الهولندية الأخيرة بمشاركة أكثر من ثمانين بالمائة من الناخبين في التصويت الذي أبقى المتطرفين بعيداً عن حكم البلاد ، رغماً عن المخاوف التي تسود المجتمع الهولندي تجاه المهاجرين المسلمين .

بالطبع تسعى أوروبا عبر قبولها للمهاجرين الى تجديد شبابها ، والمحافظة على الرخاء الذي تنعم به ، لكنها ستجد نفسها مضطرة لمراجعة طريقة تعاملها مع المهاجرين والمقيمين في بلدانها إذا ما أحسَّت بأن هؤلاء أخذوا يشكِّلون خطراً حقيقياً على مجتمعاتها وتقاليدها وأمنها . وكان المتطرف الهولندي فيلدرز يسعى الى إثارة الذعر في الهولنديين بدعوتهم للتصويت له محذراً من ( أسلمة المجتمع ) وهو شعار لم يقبل به الناخب الهولندي وفشل في إيصاله إلى سدة الحكم .

بالمقابل فجَّر الخلاف التركي الهولندي حول منع هولندا المسئولين الأتراك من الخطابة في تجمعات تركية انتخابية في هولندا ، إضافة الى بلدان أوروبية أخرى ، حملة إعلامية وسياسية تركية هدد خلالها الرئيس التركي ، رجب طيب أردوغان ، بإطلاق آلاف المهاجرين على أوروبا ، معلناً حرباً على الأوروبيين سلاحه فيها هؤلاء المهاجرون وكأنهم قذائف متفجرة ، وأضاف الى ذلك دعوته للأتراك والمسلمين الموجودين فعلاً في أوروبا بإنجاب أكبر عدد ممكن من الأطفال محرضاً على سيطرتهم على البلدان الأوروبية .. وكل هذه المواقف تصب في صالح المتطرفين والغوغائيين الأوروبيين الذين يحذرون من سعي المهاجرين لتغيير التركيبة الاجتماعية للبلدان الأوروبية التي يستوطنونها . المواقف العدائية من قبل قادة مسلمين يقابلها تطرف من غوغائيين أوربيين ، ولا تخدم المهاجرين المسلمين الراغبين في الهجرة لأوروبا بحثاً عن لقمة العيش والأمن لا خدمة أي أجندة سياسية أو مذهبية أو دينية ، ولا نية لهم في تغيير أي مجتمع وإنما المشاركة فيه مع المحافظة على معتقداتهم التي لا تطالبهم أساساً المجتمعات التي ينتقلون إليها التخلى عنها . كما لا تساعد على تقبل هذه المجتمعات المهاجر المقيم في بلدانها أكان ضيفاً أو مواطناً . وسيكون من الأفضل بالنسبة لملايين المسلمين الذين أخذت بلدانهم في التخلي عنهم ، بما في ذلك مواطنون أتراك تحولوا الى ملاحقين في بلدهم أو موقوفين عن أعمالهم نتيجة للشكوك التي هيمنت على الأجهزة الأمنية التركية بعد محاولة الانقلاب العام الماضي ، من مصلحة كل هؤلاء ، والمسلمين بشكل عام ، أن لا تثار الشكوك وتطلق حملة كراهية ضد أوروبا في وقت يتطلب دفع الأوروبيين للتخلي عن متطرفيهم المعادين للمسلمين .

النظام الحالي في أوروبا أتاح لعدد من المسلمين الصعود الى كراسي الحكم كوزراء وأعضاء برلمان ورؤساء بلديات ( فاز حزب « دينك « الذي معناه مساواة باللغة التركية وأنشأه هولنديون أتراك بثلاثة مقاعد في الانتخابات الهولندية هذه ) وكثير من الأحزاب الأوروبية يتواجد في عضويتها عدد من المواطنين المسلمين . ومن الأفضل تخفيف جرعة العداء والهجوم غير المبرر على أوروبا والأوروبيين حتى لا تنقل الانقسامات الموجودة في عدد من مجتمعاتنا الى أبنائنا هناك فنفقد ويفقدوا المكتسبات المتوفرة في البلاد التي استوطنوها والتي هي في تزايد مع نمو أعدادهم وتطور ثقافتهم .