Logo
صحيفة يومية تصدر عن مؤسسة المدينة للصحافة والنشر
عادل خميس الزهراني

العالم.. محشورًا في جيب روائي!

A A
يومئ لي حجي جابر، الروائيُّ السعوديُّ الذي يدَّعي دومًا أنَّه إرتريٌّ، فأفهمُ الإيماءة، وأنتشي بها؛ أغادرُ بهدوءٍ جلسة الملتقى التي توشك أن تبدأ.. وأنَا أنتظرُ في بهو الفندق، يقترب منِّي صالح علماني، بعينيْ طفلٍ لاتينيٍّ، وشاربٍ شاميٍّ عريقٍ.. يهمسُ لي بأنْ ننتظره؛ لأنَّه قادمٌ معنا، وسيُحضِر صديقين عزيزين عليه.. بعد برهةٍ يحضر حجِّي متوشِّحًا ابتسامةً جدَّاويةَ التاريخ، وبجواره فتاةٌ بريطانيَّةٌ بهيئةٍ لافتةٍ، ولسانٍ لافتٍ..!! يتساءلُ (علماني) إن كانت سيَّارة الجيب ستكفينا؟! ويبتسم، يردُّ حجي بأنَّ قلبه سيكفي.. إنْ لم تفعل الجيب.

كنَّا في السيَّارة، سبعة من خمس دول.. كانت لويزا الإسبانيَّة تسألني بخجل عن عرضها المرتبك، الذي قدَّمته بلغة إنجليزيَّة (نصف استواء) قبل نصف ساعة، عن قسم المكتبة الإسلاميَّة الذي تترأسه في الوكالة الإسبانيَّة للتعاون والتنمية (AECID)، وعن جائزة اليونسكو التي حصدتها الوكالةُ نظير نشرها الثقافة العربيَّة وترويجها، بينما كنتُ أشاغبُ حجي، وبيدرو، اللذين يتحدَّثان بالإنجليزيَّة عن جموح ميسي، ورفاقه في برشلونة. بيدرو كان دبلوماسيًّا وسفيرًا إسبانيًّا سابقًا في طهران، والجزائر، وباكستان، وهو الآن متزوِّج من ألمانيَّة، ومدير عام للبيتِ العربيِّ في مدريد، الذي فاز بإحدى جوائز حمد للترجمة هذ العام، لكنَّ بيدرو لا يعرف العربيَّة، ولا أعرفُ أنا الإسبانيَّة بالطبع، فكنَّا نتشاغبُ أطرافَ الحديثِ بالإنجليزيَّة.. عن برشلونة، وعن الملكي.. كان يقصد «ريال مدريد»، وكنتُ وحجي نُفكِّر بالهلال، والأهلي...!

قضينا ساعاتٍ طويلةً في المتحف الإسلاميِّ بالدوحة. كاد عقلُ لويزا أنْ يطيرَ ممَّا رأت من كنوز الحضارة الإسلاميَّة، وكنَّا نضحك على شغفها وجنونها، هي لا تتحدَّثُ العربيَّةَ أيضًا، لكنَّها تُشرِفُ باحترافٍ مذهلٍ على مكتبةٍ تعمرها آلاف المخطوطات الأندلسيَّة. حين عُدنا إلى السيَّارة محشورين، كنَّا لا نزال (نطقطق) عليها، وعلى هيلين البريطانيَّة، التي نسيتْ كاميرتَها في السيَّارة، ففاتها ما فاتها!! هيلين كانت تستغربُ إنجليزيَّتي الشماليَّة، كانت تقول بعربيَّةٍ متقنةٍ ولذيذةٍ: أنتَ لا تبدُو كرجلٍ من يوركشاير.. وحجي كذلك!! هي من بلدة صغيرة مجاورة لمدينة لينكولن البريطانيَّة، لم نعتبرها -أنا وحجي- بلدةً مهمَّةً، فليس لها فريقٌ كرويٌّ معروفٌ! لكنَّها أكَّدت أنَّها عاشتْ لسنين بجوار ملعب أرسنال الشهير، قبل أن تقرِّر الانتقال: كان ضجيجُ المشجِّعين يمنعني من التركيز في مشروعاتي (هكذا تقول). هي شغوفةٌ بالأدب العربيِّ الحديث، تَـرجمتْ رواياتٍ عربيةً كثيرةً إلى الإنجليزيَّة، وتنظِّمُ سنويًّا مهرجانًا عالميًّا في لندن للأدبِ والثقافةِ العربيَّتين.

كان (علماني) غارقًا في حديثٍ (شيِّق!) مع صديقيه الإسبانيَّين.. شعرتُ بهذا من لكنتهِ، من ابتسامتهِ خلال الحديث، ومن ضياعهِ في التَّفاصيل الصَّغيرة التي لم أفهمْ منهَا شيئًا. قاطعتُه مهنِّئًا فوزه بجائزة المترجمين، واختيار ابنَه طريقَ أبيهِ في ترجمة الأدب العالميِّ، أعني رواية (يهود بلا مال)، فيبتسمُ.. ويردُّ بأدب: لا أظنُّه يكرِّرها!! ثم يعودُ ليسبحَ في عالمٍ ما مع بيدرو، كانا -واللهُ أعلمُ- يتحدَّثان عن ذكرياتٍ قديمةٍ جدًّا في بلدة إسبانيَّة نائية، وكان حجي وهيلين يناقشان مشروعًا لترجمة رواية جديدة -واللهُ أعلمُ-!!

لويزا كانت تثرثرُ مأخوذةً بما رأته في المتحف الإسلاميِّ من عجائب، وتدعوني بإصرارٍ لزيارة المكتبة الإسلاميَّة التي تترأسها في مدريد.. المكتبةُ ذاتها التي قدَّمت عنها عرضًا بإنجليزيَّةٍ مرتبكةٍ، كانتْ خجلةً منها قبل ساعات!

Nabd
App Store Play Store Huawei Store
X