تقع بلدة «فيد» إلى الجنوب الشرقي من منطقة حائل،حيث تبعد عنها بنحو 120كم وبنحو 160كم من القصيم، وذلك للزائر السالك لطريق “حائل - القصيم - الرياض” السريع باتجاه الغرب وتبعد عنه 3 كم. وتقع بين خط الطول 42.31.01 ودائرة العرض 27.06.45.
وتعدّ “فيد” أحد المواقع الأثرية التاريخية المميزة في منطقة حائل، وذلك لما تكتنزه من مخزون أثري كبير، وممّا تحويه مدينة “فيد” الأثرية: قصر خراش الأثري، والمدينة السكنية، البرك والآبار والقنوات المائية. حيث تتركز الآثار الباقية لبلدة فيد القديمة شمال المدينة الحديثة بمسافة 1.5كلم، وتصل مساحة الموقع الأثري بما يزيد على 1.5 كلم طولًا ومثله عرضًا. وتعتبر من المدن التاريخية والأثرية المليئة بمشاهد العصور التاريخية القديمة، ويرتادها السياح والمهتمون بالآثار، فهي مدينة مختلفة تحمل قيمة سياحية وأثرية كبيرة.
الأهميّة التاريخية:
تذهب بعض المصادر التاريخية إلى أنّ مدينة “فيد” تبوأت مكانة خاصة في العصر العباسي، وكانت تعتبر ثالث أهم مدينة بعد بغداد ومكة، حيث إنها تعتبر في منتصف الطريق بين مكة وبغداد على طريق الحج القديم، أو ما يعرف بدرب زبيدة. مما أسهم في ازدهارها لمرور الحجيج بها والتزود منها بما يحتاجونه. وكان للانتعاش الذي شهده طريق الحج القديم انعكاس مباشر على الأماكن التي يمر بها، ومنها «فيد» التي تعد من المدن الأثرية والتي يعود تاريخها إلى ما قبل الإسلام وكانت من المدن التي تضاهي في قيمتها واتساعها الكوفة والبصرة في ذلك الوقت، وكانت تسمى «عاصمة الطريق»، يستريح بها الحجاج ويتزودون بما يحتاجون إليه من مؤن، فقد كانت بمثابة سوق مفتوحة تشهد ارتياد كثير من الحجاج، وقد وردت في كتابات كثير من المؤرخين من أمثال: ابن جبير، وابن بطوطة وغيرهما من المؤرخين وأيضًا وردت في مؤلفات عدد من الرحالة الغربيين من أمثال: بالن، وهوبير وغيرهما.
قال حمد الجاسر في المعجم الجغرافي مبينًا قدمها في التاريخ: “فيد”- بفتح الفاء، وإسكان الياء المثناة التحتية، والدال المهملة - من أقدم القرى وأشهرها ،وقال: “ولقد قال ابن الكلبي والزجاجي أنها سميت بفائد، أو “فيد” بن حام من بني عمليق». ويذهب بعض الباحثين إلى أن تاريخ “فيد” يعود إلى حقبة ما قبل الإسلام، وهذا ما تؤكده الكتابات والنقوش على سفوح الجبال المجاورة التي تعود إلى عصور قبل الإسلام»، كما تضمّ آثارًا مغمورة تحت التراب بفعل عوامل الزمن. وقال ياقوت الحموي: «فيد:.. قريب من أجا وسلمى جبلي طيء». وقال ياقوت الحموي أيضًا، وربطها بطريق الحج،فقال: «فيد منزل بطريق مكة». وقال الهمداني: « فيد: على طريق العراق إلى مكة».
وقد جاء في كتاب “مقدمة عن آثار المملكة” ما نصه: « فيد تقع على بعد 120 كم جنوب شرقي حائل، وبها ما يسمى خرائب قصر خراش، الذي يعتقد أن يكون موقع مدينة قديمة، تعود إلى ما قبل الإسلام.».
قصر خراش الأثري
إن من أهمّ معالم مدينة فيد الأثرية «الحصن» أو ما يسميه العامة قصر خراش، وهو أكبر قصر على طريق الحج ابتداء من العراق ومرورًا بفيد إلى أن تصل إلى مكة، ويتكون الحصن من سورين خارجي يتكون من أبراج المراقبة وقد روعي في إنشائه اشتماله على عوامل دفاعيّة، والتصميم الداخلي محصن أيضًا بعدد من الأبراج يقع في وسطها قلعة الحصن التي تعدّ من القلاع المنيعة، الحصن كان يتصدى للأخطار التي تتعرض لها مدينة فيد، فيعتبر السد المنيع الذي يقف بوجه من يريد مكروهًا بالحجاج أو بالمدينة، وكان يقطن هذا الحصن ما يعرف بأمير الحج آنذاك. وأهم ما يشاهده السائح في بلدة فيد القديمة حصنها المنيع المعروف حاليًا باسم قصر خراش حيث يمكن للسائح تتبع تفاصيل بناء القصر والتعرف على مكوناته المعمارية، وتصميماته الداخلية والمواد المستخدمة في أعمال البناء والتشييد، ويمكن للسائح أن يتتبع من الجهة الغربية والشمالية للحصن النسيج المعماري لبلدة فيد القديمة حيث يمكن التعرف على شبكة الطرق المتقاطعة وعلى مكونات المنازل المطلة عليها وعلى آثار المسجد الكبير الذي يعود للفترة الإسلاميّة، وكذلك رؤية التخطيط الخارجي للمدينة والمشتمل على الآبار والبرك وقنوات المياه السطحية والأرضية والآبار الموجودة على أطراف الموقع. ولا تزال بعض التفاصيل المعمارية لقصر خراش ظاهرة للعيان، وهو مشيّد ومبنيّ من الحجارة السوداء تعرف أيضا باسم حجارة الحرة وأبعاده 120م × 80م، ويشتمل على أبراج دائرية ونصف دائرية تقع في منتصف الحصن، أبرزها بقايا القلعة، تقع في الطرف الشمالي الشرقي من الحصن ومدخلها يقع على الأرجح في الجهة الجنوبية. وإلى الجنوب الغربي من القلعة، آثار أساسات لمبان تحيط بالقلعة أو القصر، بالإضافة إلى أساسات بنائية منتشرة في كل أرجاء الحصن. كما يحوي الحصن معالم بنائية مكتشفة، عبارة عن مجموعة من الحجرات الملاصقة للسور الجنوبي، ومعالم أبراج نصف دائرية،كذلك آثار لعدد من المباني في غرب وجنوب الحصن تبدو كأنها ملاحق للقصر، كما توجد آثار لبئرين تم شقهما في الجهة الشمالية والشرقية للحصن، وكانا يستعملان في تزويد الحصن بالمياه. ويتوسط قصر خراش المدينة القديمة، ويرى الباحثون أنه حصن مخصص لقصر حاكم المدينة، كما كشفت الحفريات الأثرية في المبنى وقرب سور الحصن في الجهة الجنوبية عثر على العديد من الغرف ومرابط للخيل وسكن للحراس وإقامة للزوار فيما تركز في الجهة الغربية من المدينة مساكن الأهالي في المدينة الأثرية والتي كشفتها التنقيبات الأثرية عن طريق المجسات والحفريات التي أظهرت أن الأهالي كانوا يعتمدون على بركتين شمالية وجنوبية ورصد الباحثون عددًا من الآبار مطوية بالحجر وعميقة، ووصل قطر إحدى تلك الآبار إلى عشرة أمتار. وهناك أيضًا بركة القصر وهي بركة يقترب قطرها من السبعة أمتار وعمقها أكثر من مترين حفرت على شكل الحرف ثمانية وأوصلت بقناة توريد مياه لها من مصدر بعيد.
التنقيب وجوانب الرعاية:
لقد حظيت “فيد” بالاهتمام والعناية من قبل الهيئة العامة للسياحة والآثار بالمملكة، فالموقع شهد عمليات بحث وتنقيب ودراسات منظمة، كما أنه يحتوي على لوحات إرشادية ولافتات تثقيفية، وكانت الجهود قد توالت في آثار مدينة “فيد” منذ سنوات من خلال دعم كبير لأجل اكتشاف هذه المدينة التاريخية، حيث أجرت فرق العمل أعمالهم لاكتشاف المزيد من التنقيب، كما تعمل الهيئة في مدينة فيد الأثرية بشكل مستمر ومتواصل وفق الخطط المرسومة والجداول الزمنية المعدة لاكتشاف المزيد من أسرار هذه المدينة العريقة. ومن ابرز الأعمال التي تم التنقيب عنها اكتشاف أقدم نقش إسلامي بمنطقة حائل بقرب المدينة، كما تم الكشف عن أقدم جامع في منطقة حائل يعود للفترة المبكرة من الإسلام، كذلك تم الكشف عن تحفة معمارية نادرة الوجود في الجزيرة العربية.
وتعود معظم المعثورات في المدينة إلى العصور الإسلامية ويصل عمرها إلى قرابة 1300 سنة، ومن المعثورات العملات المعدنية والأواني الخزفية والفخارية، كما تحتوي المدينة الأثرية على كثير من الوحدات المعمارية، متمثلة بأساسات مبان بعضها يشكّل وحدات معمارية متكاملة، إضافة إلى منشآت مائية، تظهر أساسات مبانيها على السطح مع آثار آبار قديمة، أما الرسوم الصخرية والنقوش والكتابات القديمة فرصدت رسوم صخرية على واجهات الجبال عبارة عن رسوم لحيوانات مختلفة ونقوش قديمة وكتابات إسلامية مبكرة. والأبرز في المعثورات والمسجلة في الموقع البرك الثماني التي تقع في الجهة الشمالية من المدينة وتتصل بها قناة تأتي من الوادي الجنوبي وتتصل أيضًا ببركة تزيد على السبعة كيلو مترات في الجهة الشرقية وتعتبر هذه البركة من أهم البرك المكتشفة حديثًا.
مدينة فيد:
أول ما يطالعك لدى وصولك إلى هذا الموقع هو السور الحامي للمدينة، والذي وضع لحمايتها من اللصوص وقطاع الطرق وما قد يحدث من غارات من قبل الأعداء، وقد أعيد ترميمه ليكون معلمًا سياحيًّا، وتطالعك في الموقع أعمال الحفر والاكتشاف للأجزاء الشرقية من السور وكذا المباني الخارجية للسور وأبرزها البناء المكتشف حديثًا، والذي يشير بعض الدارسين الى أنه جامع المدينة. وتعتبر مدينة فيد بحائل من المدن الأثرية والتاريخية القديمة ذات الصبغة التاريخية القديمة بما تحتويه من مقتنيات وآثار الماضي، ويمكن مشاهدة تداخل المنطقة الأثرية مع البلدة الحديثة المتاخمة لها، والتي تحوي بيوتات حديثة وشوارع منظمة وتتوفر بها المحلات التجارية ومحطات وقود، ويطالعك مجسم جمالي على مدخل المدينة الحديثة التي أصبحت حاليًا من المدن الحديثة والناهضة فهي مدينة متطورة تسابق حركة النمو والرقي في جميع مجالاتها المتعددة في ظل دعم ومتابعة حكومتنا الرشيدة.