قضى الداعيةُ صالح الرقيب ستين عامًا وهو يدعو إلى الله، بأسلوب مبتكر، يعرض الحلول الناجحة أمام المستمع؛ ليأخذ بيده إلى مجالات التقوى والزهد، والموعظة بالحسنى خلقه، وخطبة الجمعة فرصته، وكُتب السلف تملأ مكتبته المنزليَّة، الدوريَّات الدعويَّة يعبرُ منها إلى معرفة مشكلات العصر.

جلس إلى العلماء الأفاضل أمثال: ابن باز، وابن عثيمين، وابن سعدي الغامدي. رافق دعاةً أفاضل إلى أنحاء المملكة أمثال: علي بن يحيى آل يحيى، ومحمد بن جماح. وجلس إلى علماء الحرم المكي والحرم النبوي يستمع إليهم، ويأخذ عنهم. وكان توَّاقًا إلى كلِّ عمل وقول يدعو إلى المعاصرة؛ ليكون المسلمون أقوياء، يفخر بالطلبة المتفوِّقين، ويشجِّع المبتعثين، ويسألهم عن أحوال الشعوب الأخرى.

قابلته في متجره الصغير لبيع الكتب في سوق مدينة الباحة، سعدت بمقابلته وترحيبه، هنأني على حصولي على شهادة الدكتوراة.. تتالت أسئلته عن حياة المجتمع الأمريكي.. سألني: ما هي القيم التي يتمتَّع بها المجتمع الأمريكي؟ ركَّزتُ على انتشار الجامعات، ومراكز البحث العلمي، وعلى حب الأمريكان لبلادهم ولعملهم. ابتسم وقال: «مهمتك الآن بالجامعة نشر مثل هذه المفاهيم، نحتاج إلى شباب قوي يتمتع بالدِّين، ويكدح من أجل خيري الدنيا والآخرة».

افترقنا، ثم التقيته بعد سنة تقريبًا في مدرسة الظفير المتوسطة ذات مساء، وكان بها حفل لتكريم زملائي الذين أتوا معي من جامعة الملك عبدالعزيز شطر مكة.. وفيهم علماء في التربية والإدارة والكيمياء والفيزياء. طلب الكلمة.. كان وجهه مشرقًا.. صوته مجلجلاً، وترحيبه كريم العبارة بنا.. وقال: إنَّكم لا تحملون أمانة تعليم الطلاب فقط، ولكنَّكم حملة أمانة إصلاح المجتمع.. فليحدد كل منكم أين سيكون.

كان يوم السبت 18 رجب 1438هـ يومًا حزينًا في منطقة الباحة بأسرها. امتلأ مسجد الملك فهد بالباحة بالذين جاءوا من أرجاء المنطقة.. علماء، ووعاظ، وطلاب علم، يتقدمهم وكيلُ الإمارة ورئيس المحكمة.. الجميع يدعون له.. ولنا في أبنائه عزاء في فقده..

رحم الله صالح الرقيب.. وردِّدوا معي لأنفسنا، ولمن نحب عبارته الشهيرة: «اتَّقوا الله».