مقال اليوم سينقل لكم مشَاهِد حقيقية من مُسَلْسَل الواقع (رَاشد المتقاعِد)، فضلاً اربطوا الأحزمة، واستعدوا للبداية:

( 1 )

هذا (رَاشد) مواطن سعودي، يعشق وطنه حتى الثّمَالة، خَدَمَهُ سائقاً في إحدى المؤسسات الحكومية، برنامجه اليومي يبدأ قبل طلوع الشمس، ولا ينتهي بغروبها، اكتوى بلهيب الحَرّ، ولَسَعَهُ زمْهَرير البرد؛ يقوم بواجبه لم يتأخر يوماً، ولم يَتَمَارض أو يتضجر أبدا؛ رغم قلة راتبه الذي لا يسدّ جوع أسرته الكبيرة المكونة من إحدى عشر فَرْداً.

( 2 )

(رَاشد) كان يشاهد المسؤولين في إدارته كثيراً ما يدخلون قاعة الاجتماعات تسبقهم إليها أقداح القهوة، وتصحبهم فيها القَهْقَهَات، ليقبضوا بعدها البَدلات، وكانوا يُسافرون، ثم يأخذون الانتدابات؛ أما هو فمحروم منها، ولم تشفع له كثرة المَهَمَّات؛ ولكنه كان قانعاً، راضياً، مسَالِمَاً؛ والعَمل عنده من المُقَدّسات.

(راشِد) بطبيعته لا يطيق نفاق المسؤول والمجاملات، ولا يتَكَسَّب من ركوب موجات الصراعات والتيارات؛ بل لا يعرف من الكلمات إلا (حَاضِر - طَالَ عمْرك - وسَمّ).

( 3 )

هربت من عُمْرِ (راشِد) السّنُين، وجاءه التقَاعد يمشي على القدَمَين، سقطت من راتبه البدلات، وتفاجأ أنه بعد عناء تلك السنوات الطويلات، لا يجد في تقاعده إلا عدة مئات من الريالات. يا الله، ماذا أفعل قالها (راشِد)؟! ومن أين أطعم تلك الأفواه؟! وكيف أدفع إيجار بيتِ يضمّ تلك الفِرَاخ، نعم كَبُرَ بعض الأولاد، لكنهم من فئة العاطلين؛ مِن أين وأين، قالها (راشِد) وهو حَزين.

( 4 )

أحسّ (راشِد) أنه قد أضاع السنين، وكان قبل وبعد تقاعده من التائهين؛ فقد بذل عمره في خدمة وطنه، وكان جزاؤه: (ألا تقاعد يكفيه، ولا سَكن يؤويه، ولا تأمين طبي -بعد الله- عند المرض يلجأ إليه)؛ سَمِع أن هناك (جمعية للمتقاعدين)؛ فاكتشف أنها شَرَفِيّة لبعض كبار المسؤولين، مهمّتهم عَقد الاجتماعات، وكثرة التصريحات.

( 5 )

قَرّر (رَاشد) أن يعود غَصباً عن هَرَمِه ومرضه للعمل من الفجر وحتى غياب القمر، حيث أصبح يركب سيارته العجوز (وَانيت دِدْسِن غمارتين)، يستخدمها في إيصال الركاب هنا أو هناك؛ مقابل بعض الريالات، وها هو يواصل دروب الشّقاء، في صراعاتٍ دائمة مع (سَاهِر، ورجال المرور الأعزاء).

(6)

حكاية (راشد) ومعاناته تُمثِّل طائفة كبيرة من المتقاعدين، خاصة الذي جُلّ رواتبهم بَدلات، تسقط بإحالتهم للتقاعد، وبما أن (وطننا) يعيش مرحلة جديدة في عهد (سلمان الحَزم)، والرؤية المستقبلية المتفائلة لـ(محمد بن سلمان ولي العهد)؛ أتمنى النظر لحال أولئك المتقاعدين، ولعلَّ هيئة حكومية عليا تُنشَأ لرعايتهم اقتصادياً واجتماعياً وصحياً؛ فهم والله محتاجون، ويستحقون.