انظر.. هذه الشاعرة الدكتورة هند المطيري تعترف بصرف شعرها للغزل واقتصارها عليه، من باب «الجرأة» على مجتمعها، متحدية كونها «امرأة بدوية».. إنها لا تقف عند هذا الحد؛ بل تبحث من منافسات لها، بزعمها أن «المنافسة باعث من بواعث الارتقاء».. أثارت الجدل العام الفائت بقصيدتها «ثورة الربيع القلبي».. لا تستلم لـ»المقص» بيد الرقيب، بما جعلها في مرمى «السهام»، على حد زعمها، تنحاز إلى الشعر على حساب الأجناس الأدبية الأخرى، التي تكتبها، لكنها «تخففت» من الشعر في العامين الأخيرين.. تدخل القصيدة من باب الحيرة ومن ذات الباب تخرج.. ولها آراء حرية بالمطالعة حول قصيدة النثر، وصراع الشعر والشعراء، ورؤية 2030 من منظور ثقافي، وغير ذلك من المحاور التي طرحها «الأربعاء» بين يدي هند.. فكانت هذه الحصيلة..

مغالبة

* قلمك موزع بين النقد دراسة والشعر مزاجًا.. فأيهما يغالب الآخر؟

يبدو أن الشعر هو الغالب، فهو يشغلني كثيرا ويستهلك جلّ طاقتي، ولصعوبة الجمع بين العقل والعاطفة - عندي على الأقل- فإن النقد دائما يتأخّر إلى المرتبة الثانية. ربما من حيث عدد الإصدارات يبدو الاثنان متعادلين تمامًا، إذ لدي إصداران نقديان وديوانا شعر، لكن المسألة ليست كما يبدو في الظاهر، مع أني في السنتين الأخيرتين تخففت كثيرًا من الشعر.

مقاومة

* مع انصراف الناس عنهم.. كيف يمكن للشعراء أن يديروا بوصلة الاهتمام باتجاههم؟

الشاعر المبدع يبقى مثيرًا مهما خففت الأضواء من حوله، لأنه يظل في دائرة الضوء، فلا يذكر الإبداع والتميز والتفرد إلا ورد ذكره.. والشاعر الجيد يعلم دائمًا أنه في بيئة منافسة وأن محاولة جعله بعيدًا هي بالضبط محاولة لجعله حاضرًا في الإذهان. على الشاعر أن يظل معطاء سخيًّا مهما كانت ظروف البيئة والمحيط، وألا تزيده المقاومة إلا صمودًا وإقدامًا، وهو في المقدمة دائمًا.

اكتشاف

* ترين أن «المبدع السعودي بحاجة ماسة إلى التعريف به في وطنه».. أليس في ذلك وصاية على وعي المتلقي؟

​المتلقي اليوم لا يتلقى إلا ما يفرض عليه لقلة القراء؛ بعض الشعراء السعوديين يتعرف عليهم المتلقون في قاعات الدراسة ليكتشفوا لأول مرة أنهم سعوديون أيضًا. عندما تحدثت عن التعريف بالشعراء في بلادهم- وأنت تشير إلى مقال سابق لي في صحيفة الوطن- كنت أعني أولئك المبدعين الحاصلين على جوائز عالمية في فنون الأدب؛ شعرًا ونثرًا، وهذا حق مشروع لهم، فالأمم تحتفي بمبدعيها؛ والأدباء السعوديون يحققون أمجادًا كبيرة في هذا المضمار تستحق الحفاوة.

جرأة

* كل أفراد أسرتك يكتبون الشعر.. فكيف استطعت الفكاك من فخاخ التأثر إلى الفرادة بقصيدتك؟

الشعر ميراث عندنا؛ قسّم علينا بالعدل، ثم ذهب كل منا بحصته يتصرف فيها كيف يشاء. ليس في أسرتي- على الأقل- من قصر شعره على الغزل، وإن ورد عرضا في أشعارهم، أما قصيدتي فقد صرفتها للغزل وقصرتها عليه. وربما لأن المرأة، والبدوية تحديدًا، وفي مجتمع محافظ مثل مجتمعنا، قد لا تجرؤ على دخول هذا المضمار، فقد جعلت منه ميدانيا، وذهبت أصول وأجول فيه، ومازلت أبحث عن المنافسات، لأن المنافسة باعث من بواعث الارتقاء.

سهام

* الحرّاس القدامى يرون في خروج القصائد عن «نهج الخليل» عجزًا عن «إبداع القدرة» واستسلامًا لمصيدة «ابتداع العجز».. أين موقعك من ذلك؟

أنا بين بين، آخذ من كل بسبب. القصيدة عندي تصنع ثوبها بنفسها ثم ترتديه، ولا تحاول أبدًا أن تسلم نفسها لمقص هؤلاء ولا أولئك، وهذا ما جعل هند المطيري في مرمى السهام. قصيدتي تلبس الفصيح إذا رأته جميلا، والعامي إذا رأته لائقا، وتنظّم إيقاعها على نغمات الخليل، وقد تميل عنها قليلا أو كثيرًا.. باختصار القصيدة تصنع عالمها على كل المستويات، ولا أحاول التدخل أبدًا.

حيرة

* من أي المنافذ تدخلين إلى قصيدتك.. وكيف يكون الخروج منها؟

الدخول عادة من بوابة الحيرة، فالحب عندي مخلوق حائر، ولد في الوقت الضائع أو في التوقيت الخطأ، لذا يظل متألمًا متوجعًا على الدوام.. هكذا يبدأ النص، ثم تتصاعد المعاني والمعاناة وتتعقد، ولا تنتهي عادة إلى مخرج، بل تعود إلى الحيرة من جديد.

متشاعر

* في المنابر يصعد الشعراء غالبًا بحناجرهم.. لكنهم ينسون آذانهم حين يعودون إلى الكراسي.. فمتى يصغى الشعراء إلى الشعراء؟

الشاعر المبدع مستمع جيد، ومن لا يسمع لا يستطيع أن يتجاوز.. أعتقد أن في هذا القول تجن على الشعراء الذين يعرفون الإبداع حق المعرفة، أما ذاك المتشاعر، الذي نسمع صوته في كثير من منابرنا اليوم فليس بحالة يقاس عليها. التاريخ يشهد على تلقي الشعراء للشعر، وعلى ريادتهم للنقد بهذا التلقي الفريد.

تجاوز

* إلى أين انتهى الجدال حول قصيدتك التي ألقيتها في معرض جدة للكتاب العام الفائت؟

القصيدة عنوانها «ثورة الربيع القلبي»، وهي منشورة تحت هذا العنوان في ديواني «الجوزاء»، الصادر عن نادي الرياض الأدبي والمركز العربي ببيروت. أما الحديث عما أثير حولها العام الماضي فلا يعنيني ولم أعد أهتم به؛ فالأمس لا يعود ومن ثم علينا ألا نعود إليه، العودة إلى الأمس تكون لأخذ العبرة لا للخوض فيما فات ومات.

تصالح

* على أي مسافة تقفين من قصيدة النثر.. وهل ستصمد مقولة «الشعر ديوان العرب» أمام زحف الرواية؟

فيما يتصل بقصيدة النثر فإني لست ضد أي فن جديد وجميل، تحت أي مسمى وجد. أقدر المفردة العذبة التي تخرج من القلب لتخاطب القلب.. أما مقولة «الشعر ديوان العرب» فقد كان كذلك؛ لأنه الأيسر في الحفظ؛ الرواية حين تنتقل من المكتوب إلى الشفهية تتحول إلى مجرد أحداث وأخبار، وتفقد معظم خصائصها الفنية، وهذا لا يحصل مع الشعر.

إثارة

* مسابقات الشعر.. هل تستحق كل هذا الوهج؟

الجوائز لها أهميتها في انتعاش الثقافة وإثارة المتلقين، فنحن شعوب جماهيرية عبر التاريخ، لكننا لابد أن نعلم أنه ثمة شعراء كبار لا يتقدمون للمسابقات، وأن الشاعر الذي يفوز في مسابقة يفوز على مستوى الشعراء المتقدمين للمسابقة لا على مستوى الشعراء في الوطن العربي، فنبتعد عن الألقاب التي تتسم بالتعميم والمبالغة.

تفاؤل

* كيف تقرئين رؤية المملكة 2030 من منظور ثقافي؟

ما زلنا في بداية الطريق، وملامح الرؤية لم تتضح بالشكل الكامل الذي يجعلنا نتحدث عنها، لكننا متفائلون بحكم ما نعرفه عن سمو ولي ولي العهد من همة وطموح ورغبة في التطوير. متفائلون بهذا الشباب المتقد الذي يسعى لخدمة وطنه بكل السبل.

حرية

* هل هناك وصاية على الثقافة؟

علينا أن نعي أن الثقافة الحرة هي القادرة على صنع التغيير، وأن نضع أيدينا بأيدي بعضنا مهما اختلفت تياراتنا وتشعبت اتجاهاتنا، لأن الأرض لا يعمرها المتشاكسون أبدًا، إنما يعمرها المتشاركون، الذين يلتحمون معا من أجلها.

الرقيب

* أي أثر للرقيب على كُتّاب الأعمدة الصحفية؟

الرقيب موجود والكتاب يخشونه، لكن وجود الرقيب ليس سلبيًا دائمًا؛ فبعض الأمور تحتاج إلى ضبط وإلا خرجت عن السيطرة. لكني - شخصيًا- أرى أن أصدق الرقباء (الضمير)، وأن على الكتّاب خاصة في الصحف تحكيمه فيما يكتبون وينقلون ويروون، لأن تزييف الحقائق وتحريف كلام الناس قد يؤذيهم ويسبب لهم الحرج.