«لله درك ياسلمان».. إنسانية ورحمة تغمر أرجاء الوطن والمواطن، حزم في الحرب على الفساد، وإصرار على الإصلاح، للوهلة الأولى قد يجد غير المتابع عدم اتساق في هذه الثلاثية، لكن الواقع يكشف تناسقها من أجل الصالح العام، إذ أنه لولا الإصلاحات المبكرة ما كنا تجاوزنا عنق الزجاجة سريعًا عندما تراجعت أسعار النفط من 114 دولارًا إلى 26 دولارًا، إن الأفراح التي سادت الوطن عقب الإعلان عن قرارات خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز، بإعادة العلاوة السنوية وصرف بدل غلاء للمعيشة، لتخفيف أعباء الإصلاحات عن المواطنين، وذلك بمجرد رفع سمو ولي العهد الأمير محمد بن سلمان عنها ينسجم مع السمات الشخصية النبيلة والحكمة التي يتمتع بها، وبغض النظر عن شمولية القرارات لغالبية فئات المجتمع، من موظفين وطلاب وعسكرين ومستحقين للضمان، فإن هناك بعض الجوانب التي قد تكون شكلية ولكن تحمل من الدلالات الكثير، منها صدور القرارات في ساعة متأخرة من أمس الأول، دون انتظار الصباح، وفي خلال 96 ساعة فقط من بدء تطبيق الإصلاحات الجديدة المتعلقة بالقيمة المضافة ورفع أسعار الوقود والكهرباء، وفي الحقيقة أنه ليس من المستغرب أن تصدر القرارات بهذه الآلية والكيفية السريعة في ظل وجود قائد يتلمس أوضاع شعبه ويشعر بكل ما يمر به.

إنعاش للاستهلاك والسيولة

وعلى الرغم من التكلفة المرتفعة اقتصاديًا لهذه القرارات، والتي تقدر بخمسين مليار ريال، إلا أن آثارها الاقتصادية ستكون لافتة للأنظار على صعيد نمو الاقتصاد ودعم السيولة والإنفاق الاستهلاكي، وهو ما يتسق مع الخطط المرسومة خلال العام الجاري لتحقيق نسبة نمو تصل إلى 2.7% مقارنة بأقل من نصف بالمئة خلال العام الماضي. ولعل رفع سمو ولي العهد إلى خادم الحرمين سريعًا بالأوضاع المتوقعة في إطار فاتورة أي إصلاحات اقتصادية، يعكس قرب سموه من هموم المواطنين والحرص على تخفيف أعبائهم المالية، ولعله أيضًا من سبيل نافلة القول الإشارة إلى أن الميزانية تحوطت لهذا الجانب بتخصيص أكبر معدل إنفاق استثمارى وصل إلى 338 مليار ريال خلال هذا العام.

دعم الاحتياجات الأساسية للمواطن

وفي إطار نهجها الثابت فإن القرارات تؤكد على استمرار المملكة في دعم الاحتياجات الأساسية للمواطنين من خلال تحملها القيمة المضافة في قطاعي الصحة والتعليم، وهما الأكثر تأثيرًا على ميزانية الأسر، كما يعكس زيادة مكافأة الطلاب اهتمام الدولة برجال المستقبل من أجل مساعدتهم على العطاء والتميز، ومع الدعم المالي المستمر فإن حساب المواطن سيواصل دوره في تقديم الدعم لمواجهة زيادة أعباء القيمة المضافة وأسعار الوقود والكهرباء، وإجمالاً يمكن القول بضرورة أن تتسق خطط الأسر مع خطة الدولة الداعية إلى الترشيد من أجل حفظ حقوق الأبناء والأجيال القادمة، وإذا كان الأمر صعبًا على البعض حاليًا للاستمرار على النمط الاستهلاكي لسنوات بعيدة، فإن النتائج ستكون إيجابية على المستوى البعيد، وإلا لما طبقت هذه الخطط في مختلف دول العالم، وفي النهاية لابد من الإشادة بالتجربة السعودية في اتخاذ القرارات لاتسامها بالشمولية والمرونة الكافية للتعاطى مع المتغيرات سريعًا خاصة إذا كانت تتعلق بجميع أبناء الوطن الذي لا يقلون عن منزلة الأخ والابن والابنة بالنسبة لخادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز.

ضوابط الفواتير لدعم الاستقرار المالي والادخار

ويعكس قرار خادم الحرمين الشريفين بإعادة النظر في مواعيد صرف الرواتب لتكون في 27 من الشهر الميلادي، والفواتير بعدها بأسبوع استيعابًا لواحدة من الأعباء المالية التي كانت تواجه المواطن، وهو الأمر الذي يحقق مصلحة للأسر والمجتمع بشكل مزدوج، إذ يضمن ضخًا مستمرًا للسيولة على مدار فترات أطول، من جهة، ويتيح للمواطن فترة أكبر لترتيب أوضاعه المالية ليكون أكثر قدرة على مواجهة أي متغيرات. ولعل هذا القرار يكون بداية لتوجيه المواطن نحو ادخار أي جزء من دخله حتى لو كان أقل من 5%، بعد أن كشفت الدراسات مؤخرًا أن 67% من المواطنين لم يهتموا بهذا الجانب في السابق.

دعم العسكرين حماة المواطنين

إن قرار خادم الحرمين الشريفين بصرف مكأفاة قدرها 5 آلاف ريال للعسكريين في الصفوف الأمامية في الحد الجنوبي تأتي تقديرًا لجهود حماة الوطن، وذلك امتدادًا للدعم السابق، وآخره رصد 21 مليار ريال لدعم خطط الإسكان بالنسبة لهم، ولاشك أنهم يستحقون أكثر، وربما وجب على القطاع الخاص أن يتفاعل بشكل أكبر مع خطط الدولة الرامية لتخفيف الأعباء عن المواطن، ولتكن البداية بالالتزام بالقرارات التي أصدرتها الدولة والتي تتعلق بآليات تطبيق القيمة المضافة، بعد أن كشفت التقارير تلاعب البعض واستغلالهم ذلك لرفع الأسعار وتحقيق أقصى استفادة غير مبررة على حساب محدوي ومتوسطي الدخل.

الفئات الأقل دخلا هي الأكثر استفادة

لم يكن مستغربًا أن تكون الفئات الأقل دخلاً هي الأكثر استفادة من هذه القرارا الحكيمة، وفي صدارتهم مستفيدى الضمان الاجتماعى والمعاشات والطلاب ومن يشترون المساكن لأول مرة، ويمثل هؤلاء أكثر من 70% من أبناء المجتمع، إذا أخذنا بعين الاعتبار أن شريحة الضمان الاجتماعي تضم 3 ملايين مستفيد على الأقل، وإذا كان الشيء بالشيء يذكر فإن المناط بالأجهزة الرقابية حاليًا أن تركز أعمالها على الأسواق لمنع تفريغ هذه القرارات الإيجابية من فحواها من خلال التلاعب بالأسعار، والواقع يسند الجانب الحكومي في تغليظ العقوبات على المتلاعبين، ولا يتعارض ذلك بكل تأكيد مع مهام الحكومة الإشرافية والرقابية للتدخل في أي وقت لإعادة الأمور إلى نصابها الصحيح.