فقدت مكة المكرمة ابنا بارا من أبنائها، كما فقد الوطن رمزا من رموزه، ذلكم هو الشيخ عبدالحميد بن محمد القطان الذي انتقل إلى رحمة الله قبل نحو أسبوع، بعد استضافته لمجموعة من أصدقائه ومحبيه وهم كثر، وكان وقع الخبر على الجميع أشبه بالصاعقة، لمكانته في قلوبهم ومحبتهم له رحمه الله، وهو الذي مهما تبارت القرائح والأفهام والأقلام متحدثة عنه، فستظل جميعها كأن لم تبرح مكانها ولم تحرك بالقول لسانها.

أنعي أبا عادل ولا أستطيع أن أوفيه بعض حقه، فكل قصيد في وصفه لا يمثل إلا بعضا من سمات إيمانه وصدقه ونقائه وكرمه وشهامته.

لقد عرفته كما عرفه الجميع وعايشته حينا من الزمن فلم أر في رؤاه أو في خطاه أو في كلماته ما يمكن أن يكون فيه شبهة من زيف أو كذب أو ظلم أو لقطيعة رحم أو لتخلي عن مروءة.

تندى أسرّة وجهه

ويمينه

في حالة الإعسار

والإيسار

ويمد نحو

المكرمات أناملا

للرزق في اثنائهن مجار

يحوي المعالي كاسبا أو

غالبا

أبدا يُدَارَى دَونها

ويُدَارِي

يا أبا عادل أسال الله أن يوسع لك في قبرك ويغفر لك يوم حشرك، فوالله لقد كنت في المحافل شريفاً، وعلى الأرامل واليتامى عطوفاً، ولقد كنت بين عشيرتك سيداً، وإلى المليك والأمراء والوزراء موفداً، فأنت أهل لكل ثناء.

فيا من غاب عني وهو

روحي

وكيف أطيق من روحي

انفكاكا

يعز علىّ حين أدير عيني

أفتّش في مكانك لا

أراكا

فيا قبر الحبيب وددت

أنّي

حملتُ ولو على عيني

ثراكا

ولازال السلام عليك

مني

يُزفّ على النسيم إلى

ذراكا

نعم لقد كان الشيخ عبدالحميد - رحمه الله - ذا فضائل وخصائل صاغ منها وبها شخصيته الفذة وحياته الطاهرة الصادقة، كان كرمه وتفقده لأحوال أصدقائه وأقاربه ومعارفه أثناء حياتهم وبعد رحيلهم من خلال أبنائهم وذويهم علامة بارزة في حياته، تتشكل منها أروع فضائله الإنسانية، فهو يعطي الكثير لأنه جواد، كان المال بين يديه خادما لا سيدا وكان للفقراء فيه حق معلوم، وكان يدرك أنه في الدنيا ضيف أو عابر سبيل، أتته الدنيا طائعة تسعى إليه، رحمه الله رحمة واسعة.

كانت مجالسه في الداخل والخارج ملتقى لجميع فئات البشر من داخل الوطن ومن خارجه، فهو في صداقاته لا يختص أو يقتصر على فئة دون أخرى.

ومهما قلت أو كتبت عنك فلن أوفيك حقك يا أبا عادل وإن رحلت عن هذه الدنيا الفانية فإن في ذريتك المباركة الأساتذة الكرام عادل وخالد وعدنان ومحمد وأخواتهم ووالدتهم الخير والبركة فهم على خطاك سائرون وعلى نهجك مقتدون، «إنا لله وإنا إليه راجعون».