سبق وأن تحدثت في مقال سابق عن الإعلام الحر والإعلام الموجّه، وتحديداً في 9 ديسمبر 2014 وقلت أنه لا يوجد في أي بلد في العالم مهما كان متقدماً إعلام حر. فالإعلام الغربي كله إعلام موجّه، وهو المطلوب عندما يكون هدفه خدمة المصالح العليا لأي مجتمع من المجتمعات وإلا فإنه سوف يتحول إلى إعلام فاسد، ولكن في المقابل وهو المنهي عنه والمحظور هو عندما يتحول إلى إعلام موجّه فاسد لا يخدم مصالح المجتمع بل يخدم السلطة أو النظام الحاكم .

ما دفعني لهذا المقال هو إفلاس الصحف الورقية في بعض الصحف البريطانية والإسبانية وغيرها ، وما صرح به أستاذنا القدير خالد المالك ،رئيس تحرير جريدة الجزيرة وعمدة صحافتنا الورقية، من أن الصحف إذا لم تجد دعماً حكومياً فإن مصيرها إلى الإفلاس والإغلاق. وهذه حقيقة يجب أن توضع في الاعتبار عندما تكون الصحف هدفها خدمة المجتمع ومصالحه العليا .

تحذير حبيبنا أبو بشار يجب أن يوضع في الاعتبار ولا بد من دعم حكومي يبقي صحفنا متألقة ،وتكون همزة الوصل بين المواطن والمسؤول ،وتراقب السلطات الثلاث التنفيذية والتشريعية والقضائية وإلا فإننا سنجد أنفسنا أمام إعلام حر منفلت لا ضابط له ونقصد به «الإعلام الجديد» ،الذي يدار من غرف النوم والمجالس والاستراحات وحتى دورات المياه أعزكم الله. وأصبح هذا الإعلام الحر المنفلت يهدد أمننا الوطني كونه يستغل من دول وأفراد وجماعات وأنظمة وأجهزة استخبارية لكي يتحول إلى إعلام موجه بمعرفات مجهولة بدل من أن يكون إعلاماً حراً منضبطاً.

الفيلسوف والعالم ايريك فروم أطلق على دخول الآلة في منتصف القرن الماضي أو قبله مسمى (الاغتراب) . والاغتراب هو أن الآلة دخلت وأحدثت فجوة بيننا وبين أنفسنا فاستولت على أعمالنا التي كنا نقوم بها بأيدينا فسحبت البساط ممن لا يعرف التعامل معها وفرشته بساطاً أحمر لمن يحسن ويتقن التعامل معها. وهذا هو الحال اليوم فالإعلام الجديد أصبح بين أيدي أطفال ومراهقين صغار في السن ومراهقين فكرياً وجدوا هذا الإعلام الجديد وسيلة ليس للتعبير والنقد البناء بل وسيلة للتخريب وتدمير المجتمعات بل تحول هذا الإعلام الجديد لتجارة رابحة كسب منها البعض المليارات. نحن هنا لا ننكر دور الإعلام الجديد في تحرير الفكر والعقل من سيطرة مقص الرقيب ولكن الرقيب الذاتي « الأنا» ،كما يقول علماء النفس، هو الذي يضبط فكرنا والسلوكيات التي تنفذ ذلك الفكر.

صحفنا الورقية يجب عليها أن تدعم نسخها الإلكترونية إلى جانب كونها صحفاً ورقية حتى تواكب هذه الثورة المعلوماتية التي يصعب ملاحقتها، والأمر الآخر والمهم هو أن تكون أكثر شفافية لتتقدم على هذا الإعلام الجديد الحر المنفلت بجميع المقاييس.

نختم حديثنا بالقول أن صحفنا الورقية يفترض أن يخصص لها ميزانيات لكي تقوم بدورها على أكمل وجه وتستمر كإعلام موجه يخدم مصالح المجتمع العليا.