عمال النظافة في بلادنا، أغلبهم طيبون غلابى، تغرَّبوا بهدف جمع مئات قليلة من الريالات يُرسلونها بين الفترة والأخرى إلى أسرهم البعيدة. كثير من هؤلاء يصلّون جماعة في المسجد خاصة صلاة الفجر، إذ يبدأ دوامهم مبكراً جداً. هؤلاء الطيبون الفقراء يقفون في صفوف متراصة بجوار مواطنين مستوري الحال، يُعدّون أثرياء بالنسبة

لهؤلاء الوافدين الغرباء.

مشهد يتكرر بانتظام خاصة في بلاد الحرمين، ولا يكاد يخلو حي من أحياء المملكة الفاخرة أو البسيطة من هذا المشهد الجامع الرائع، وفي صلاة الجمعة تبدو الصورة أكثر وضوحاً وقوة، بل وتصبح عالية الوضوح HD بسبب حرص كل مواطن على صلاة الجمعة ثرياً كان أو فقيراً، مسؤولاً أو موظفاً بسيطاً. في المسجد الجامع يتساوى هؤلاء جميعاً.. ليس مهماً إن كان الحاضر للصلاة من أصحاب المعالي أو من لا يملك ثمن المقاضي، وليس من شروط دخول المسجد علو النسب أو فخامة الرتب. الكل ضيوف على بيوت الرحمن، والكل أمامه سواسية، لا مفاضلة إلا بالتقوى، والتقوى محلها القلب لا الشكل

ولا الرصيد ولا الثوب.

هذا المشهد يشهده الكبار بأطيافهم المتنوعة 50 مرة في العام على الأقل (إن كانوا لا يشهدون إلاّ الجمعة)، وأضعاف ذلك العدد إن شهدوا صلوات أخرى في المساجد. ولو سُئل أحدنا عن أقدس الأماكن لقال دون تردد هي بيوت الرحمن. لكن المؤلم أن درس (المساواة) أمام الله يتبخر سريعاً من أذهان بعض الناس! نعم وبمجرد خروجه من باب الضيافة الربانية، تسري في عروقه سريعاً (الدماء الزرقاء) المخلوطة

بأرتال الكبر والخيلاء، والممزوجة بدهون الصفاقة والاستعلاء!

إنه وهم كبير ضارب في أعماق هذه الفئة المسكينة الغاوية، ولو أنه كان داء عضالاً ساكناً في نفس صاحبه وحسب، لهان الأمر، لكنه ينشره عدوى سريعة تصيب الأبناء وتؤذي الأقرباء وربما حتى الأصدقاء. أما الأبعدون فويل لهم من ألفاظه (العنصرية) الجارحة، منطوقة ومكتوبة، ولمن لا يصدق، فحوارات (تويتر) مفتوحة لمن شاء أن يتقيأ من شدة العفن الصادر من بعض المشاركات، وهي ليست

قليلة ولا نادرة ولا محصورة.

العنصرية لا ترفع من قدر صاحبها بقدر ما تكشف وضاعة ودناءة المنادي بها.