في 12 يناير المنصرم، سجّل 300 طالب من جامعة ييل الأمريكية الشهيرة، في مقرر علم نفس، تحت اسم (علم النفس والحياة الطيبة). وبعد 3 أيام تضاعف العدد إلى 600، ثم تضاعف مرة أخرى إلى 1200 بعد 3 أيام أخرى. وهو عدد يقارب ربع عدد الطلبة الجامعيين في الجامعة. وحمل هذا المقرر وصفًا عامًّا هو (السعادة)، أي أن القوم جاؤوا يبحثون عن وصفات سحرية للسعادة من منظورهم الثقافي والإنساني.

طبعًا للمجتمع الأمريكي معايير لهذه السعادة، منها ما يتوافق مع مجتمعاتنا العربية المسلمة، ومنها ما يتناقض. وليس هذا مجال الخوض فيها. لكن أحد الطلبة المسجلين في المقرر يقول: (في الواقع كثير منا يعاني من أعراض القلق، والضغوط النفسية، وعدم الشعور بالسعادة، وفقدان الأحاسيس). ويضيف قائلًا: (لعلَّ هذا الحضور الكبير يُؤكِّد مدى إحساس الطلبة بالتعب، من إخفاء الطلبة لمشاعرهم الإيجابية منها والسلبية. ومتى عولجت هذه المشكلة تفرّغ الطلبة للدراسة والتحصيل، باعتباره الخطوة التالية والإنجاز القادم).

وفي دولة خليجية شقيقة أنشئت حقيبة وزارية جديدة للسعادة منذ سنة أو أكثر، مهمتها زرع البسمة على الوجوه في البلاد.

إذًا فمطلب السعادة لا حدود له ولا نهاية له في هذه الدنيا، التي أرادها خالقها دار ابتلاء لا ينقطع، وموطن اختبار لا ينتهي. هذه الحقيقة تعطي للحياة وجهًا آخر قد لا يُدركه علماء النفس في الغرب ولا في الشرق؛ لأن معطياتهم مختلفة، وجذور أفكارهم الثقافية والروحية أشد اختلافًا.

وحقيقة تمتع الإنسان بالسعادة نسبية، وليست مطلقة إلّا في حالات نادرة جدًّا، فقد تمر على الإنسان لحظات وربما فترات قصيرة يستشعر فيها السعادة، لكن ذلك لا يدوم مطلقًا، أو حتى لأمد طويل.

لكل شيء إذا ما تم نقصان

فلا يُغر بطيب العيش إنسان

ومع ذلك، فهناك ممارسات تجلب السعادة في إطارها الكبير، ومنها ممارسة العطاء وتقديم الخير للآخرين، ورسم البسمة على وجوههم، وإدخال السرور في قلوبهم. إسعاد الآخرين هو إسعاد للنفس، وتعويد النفس على الرضا بأحكام الله وقضائه وقدره يزيل عن النفس أكدار الحياة، ومنغصاتها، وأدرانها.

السعادة الدائمة وهمٌ كبير وحلمٌ عسير.