تعقيبًا على مقولة الدكتورة «لمياء باعشن» في مقالها: «تدويل قطر» (إنّ القدس حق مشاع لكل مسلم ومسيحي ويهودي في كل دول العالم)، بيّنتُ مدى خطورة مصطلح «الحق المشاع»، وما حوته مقولتها من مغالطة تاريخية كبرى، وترديد لمزاعم الصهاينة المحتلين، فليس لليهود حق لا في القدس ولا في فلسطين بأكملها، ففلسطين عربية كنعانية، وذكرتُ بعض الأدلة على عروبتها، وأواصل ذكر أدلة أخرى، منها:

4- شهادات العهد القديم عن أورشليم: نشأتها وسكانها، تثبت أنّ أورشليم اسم كنعاني عربي وليس عبري، وأنّ اليهود لم يُؤسِّسوا القدس، ولم يُطلقوا عليها بيت همقداش «المقدس»، مثلما يزعم البعض، كما يُؤكد التاريخ أنّ فلسطين عربية، وكانت تسمى أرض كنعان، وهذا اسمها في التوراة، والكنعانيون من أصل عربي ، هاجروا مع الأكاديين من الجزيرة العربية، وارتحلوا شمالًا مع بداية الألف الثالث قبل الميلاد، وأثبتت أعمال التنقيب في تل العمارنة سنة 1887م أنّ سَكْن الكنعانيين كان في أكبر رقعة، وتضم سوريا وفلسطين من الحدود المصرية لهذه المنطقة يعود إلى الألف الثالث قبل الميلاد. وتعترف أسفار العهد القديم ذاتها بعدم عبرانية ويهودية أورشليم (القدس) في خطاب حزقيال لأورشليم: «هكذا قال الرب لأورشليم: مخرجك ومولدك من أرض كنعان، أبوك أموري وأمك حثية» (حزقيال: 16/3)، أمّا محاولة إيجاد علاقة ما بين الاسم، والكلمة العبرية «شالوم» بمعنى «سلام»، هي محاولة لعبرنة اسم المدينة، لا تعتمد على أسس منطقية، أو تاريخية، فليس ثمة وجود للعبرية يـُعتد به في القرن التاسع عشر، أو الثامن عشر قبل الميلاد، وهو الزمن الذي ظهرت فيه تسمية أورشليم، بل هناك فاصل بين ظهور هذه التسمية، وظهور اللغة العبرية.

5- قول «رافاييل جرينبرج» المحاضر بجامعة تل أبيب إنّه كان من المفترض أن تجد إسرائيل شيئًا حال واصلت الحفر لمدة ستة أسابيع، غير أنّ الإسرائيليين يقومون بالحفر دون توقف في مدينة داود بحي سلوان بالقدس منذ عامين ولم يعثروا على شيء، ويؤيد قوله هذا أنّه لم يرد ذكرًا لمملكة داود في نصوص الشرق الأدنى القديم التي ترجع إلى الفترة نفسها.

6- يقرر فرانسيس نيوتن في كتابه «الانتداب على فلسطين» (أنَّه لا يوجد في فلسطين نقش واحد يمكن أن يُنسب إلى المملكة اليهودية، فلقد فشلت اليهودية في أن تقدم أي أثر لداود وسليمان).

7- تقول المستشرقة البريطانية «كارين أرمسترنج» كشفت حفريات الأثري الأمريكي «فريديريك ج بليس» عن لوح مسماري في تل الحصى على بعد حوالي ثلاثين ميلاً جنوب القدس، وكان اللوح يُماثِل تلك الألواح التي كشفت مؤخرًا في تل العمارنة في مصر، وأصبح من الواضح أنَّ تاريخ الأرض المقدسة لم يبدأ مع الإنجيل، كما اكتشف بليس تعقيدات مماثلة في القدس، وأصبح مقتنعًا أنَّ مدينة داود الأصلية ليست هي التي افترض الناس لقرونٍ طويلة وجودها على جبل صهيون، رغم عدم إمكانه تقديم البرهان على ذلك، وأنَّ المدينة كانت على تل الأكمة، وتضيف كارين: واستطاع الأثري «هيوز فنسنت» من طائفة الدومينيكان أن يكمل حفريات بليس على تل الأكمة وتمكن من أن يبرهن أنَّ المدينة في شكلها الأكثر قدمًا (مدينة داود عليه السلام) كانت تقع على تل الأكمة لا على جبل صهيون، كما عثر على مقابر من العصر البرونزي، ونظم مياه وتحصينات أثبتت كلها أنَّ للمدينة تاريخًا أكثر قدمًا من داود عليه السلام، ومن ثَمَّ لم يكن بالإمكان الادعاء بأنَّ المدينة ملك لليهود على أساس أنَّهم أول مَن سكنوها، وفي الواقع قد تعمَّد الإنجيل توضيح أنَّ الإسرائيليين قد انتزعوا كلًا من فلسطين وأورشليم من أيدي سكان محليين، وهكذا بات من الممكن للحفريات الحديثة تهديد بعض الأمور اليقينية للعقيدة.