لأن الزمان تغيَّر، ولأن صوت المرأة أصبح مسموعاً، آن الأوان لترتفع الأصوات من كل النساء المعنَّفات في بيئات العمل، كما تشاركهن المعاناة؛ المعنفة في بيتها. سأُخصِّص كلامي هنا عن ما يحدث في أروقة العمل في كل مجال، بدءاً من التعليم العام والجامعي، ثم في مجالات أخرى، كالصحة والشركات والبنوك، وفي كل مكان تعمل فيه بنات جنسي. مازال التسلط الذكوري سائداً وبقوة، ومن يتحكَّم في تولي المرأة مناصب قيادية يختار شخصيات تروق له بمواصفاتٍ خاصة، لا صوت لها ولا كلمة ولا رأي ولا كاريزما قيادية، ويُشكِّك ويتهم مَن تنطبق عليهن المعايير القيادية بأبشع الصفات، ويُعنِّفها ويتسلَّط عليها، ويمارس عليها كل الأساليب التي يُقصد منها الإقصاء والإبعاد، وباستخدام ألفاظ يتم اختيارها بعناية فائقة للتجريح والتقليل من الشأن والتحدي بعدم الترشيح للمناصب القيادية لمرض في النفوس -وفي هذا خيانة للوطن-.

أليس هذا عنفاً نفسياً ومهنياً وتجبُّراً ذكورياً؟ ولا يوجد ما يثبت هذا التجني وهذا العنف ويزداد الأمر سوءاً عندما تتشكل المجموعات البشرية لتكريس الوصاية الجبرية والتسلط والتقليل من الشأن، وإجحاف بحق المتميزات منهن، واللاتي أثبتن أمام الجميع كفاءتهن وقدراتهن عندما حفرن في الصخر، ليكون لهن أثر في مجتمعهن خدمةً للوطن، ولكن ليل التجنِّي قد طال، وما عاد في العمر متسع للسكوت أكثر، أريد لكلماتي هذه أن تصل لأصحاب القرار، ومن يهمه أمر المرأة في وطني، كفّوا أيدي الظالمين عن النساء المخلصات، اللاتي نذرن أنفسهن لخدمة الدين والوطن.

سمو ولي العهد وفي كل لقاء يُؤكِّد على دعمه ومناصرته للمرأة، لذا تريد المرأة السعودية المزيد من فتح المجال أمام المتميزات لتولي المناصب القيادية في التعليم، والذي سيطر على مناصبه القيادية الرجال، أما أنها تُكلَّف بعملٍ مُضن تحت رئاسة رجل يُنكرها، ويظهر هو في الصورة فقط، أو يتجاهل وجودها، ويكف يدها عن العمل، ولا ناصر لها ولا صوت يُسمع في بيئات غير نزيهة، وينطبق هذا الأمر في جل بيئة عمل مشتركة بين الرجل والمرأة، لكن يبقى القطاع الخاص والشركات الوضع فيها أخف وطأة.

فمعيار تولي المنصب القيادي في التعليم -للأسف- مازال ذكورياً، يحرم المرأة من كثير من حقوقها، ويتجاهل كثيراً من إنجازاتها، والذي يتصدر المشهد دوماً الرجل، والمرأة تعمل خلف الكواليس، والبعض يعتبرها تابعاً له، ويُصرِّحون بذلك بدون خجل، لا يعتبروننا شركاء ولا صُنَّاع قرار مهما فعلنا ومهما تجاوزت سنوات خدمتنا

، بل كل تصرفاتهم وأقوالهم تُعبِّر عن مكنونات نفوسهم وعقولهم، التي تُقلِّل من شأن المرأة وكفاءتها وجدارتها بالشراكة، وهذا أمر مشين بمَن يمتهن وظيفة التعليم، ولا يمتلك مهارة احترام المرأة وتقديرها وإنصافها، وإعطائها حقها الذي يليق بها.

بعد أكثر من عشرين عاماً قضيتها في أروقة التعليم، أكتب والمرارة تعتصر قلبي، وتدمي معصمي، وأتحدَّث بصوتي وصوت فئة من النساء لا منبر لهن ليتحدثن عن معاناتهن، فالظلم مرارته لا يعرفها إلا المظلومون.

مازالت روحي مُعلَّقة بالتعليم، والأمل في غدٍ أفضل وضوء فجر العدل يلوح في الأفق، أراه بقلبي العامر بالإيمان، بأن الله لا يضيع أجر من أحسن عملاً، قبل أن تراه عيناي، ولنترقب جميعاً بزوغ فجر جديد، ينال فيه كل منا حقه ومستحقه من الفرص، لخدمة دينه ووطنه، بعيداً عن تسلط المتسلطين، الذين خانوا أمانة الوطن، وعملوا من أجل أهوائهم ومصالحهم الشخصية.