شاهدتُ مؤخراً الفيلم الكوميدي (موت ستالين )The Death of Stalin الذي ظهر على شاشات السينما عام 2017م. وقبل أن أتوغَّل في الحديث عن الفيلم، أُحب أن أحتفي معكم بعودة السينما إلى المملكة العربية السعودية بإرادة وقرار رسمييْن، لنتجاوز بذلك كل الجدل الذي لا طائل منه، ونبدأ في التخطيط المناسب للإفادة من أحد مصادر التنوير

الكبرى عالمياً.

نعم من الآن وصاعداً، يمكن لنا أن نتحدَّث عن عملية الإنتاج، وعن الخطاب التنويري المصاحب لصناعة السينما، باعتباره شيئاً ماثلاً وحيوياً في المجتمع.. فلم نعد نحتاج لخوض تلك الرحلة «الأسطورية» لمشاهدة «فيلم» خارج حدود الوطن.. (لكم أن تتخيلوا أننا كنا نقوم بالرحلة ذاتها للحصول على الكتب، وللترفيه، واستنشاق

عبق السينما)!!

يتحدث الفيلم، الذي أخرجه الكاتب والمخرج الأسكتلندي «أرماندو إيانتشي»، عن الفوضى التي حدثت في اللجنة المركزية للحزب الشيوعي عقب موت الرئيس ستالين، الشهير بجبروته وشخصيته الحديدية.. وهو عبارة عن كوميديا «سوداء» مأخوذة من الرواية الفرنسية المصوّرة، وتحكي بشيءٍ من التفصيل، اللحظات التي أعقبت موت الرئيس ومحاولات أعضاء اللجنة السيطرة على القوة بشتى الطرق، حتى تلك التي تُخالف

معتقداتهم السياسية الرئيسية.

أقول إنها كوميديا سوداء، لأنها تُصوِّر بعفوية كيف تحيل الأيدلوجيا العمياء كل القيم الإنسانية إلى هراء لا معنى له، فيصبح القتل أسهل الحلول وأقربها، وتمتلئ المعتقلات بالموقوفين الذين لا ذنب لهم، وتنتشر ثقافة الخوف حتى يصبح الناس أعجز من أن يسألوا أنفسهم: ماذا فعلوا ليستحقوا السجن والتعذيب

والتصفية.

هي كوميديا سوداء لأنها تنقلك إلى عالم الشك وانعدام الثقة الذي يتولَّد حول الرئيس الطاغية وقوائم الاشتباه اليومية.. يجعلك الفيلم تتساءل: كيف لهذا الطاغية الذي يشبه طفلاً محدود الذكاء ومعزولاً عن الواقع، أن يصبح المتحكِّم الأول في قوة من قوى العالم، وكيف أصبح مستشاروه ووزراؤه مجرد دُمَى يُحرِّكها كيفما شاء، ويتخلَّص منها متى شاء. في مشهد من المشاهد الساخرة، يجتمع أعضاء اللجنة للتصويت على تقسيم المهام في مرحلة ما بعد ستالين، يظهر الأعضاء -بطريقة مدهشة ومضحكة- مسلوبي الإرادة، مُتردِّدين بين رفع اليد وخفضها في كل قرار من القرارات، فهم لم يتعوّدوا إلا التبصيم على كل ما يقوله الرئيس الراحل، والتطبيل لكل ما يفعل، ما يجعلك تتساءل: كيف لقوةٍ عظمى مثل الاتحاد السوفييتي أن يكون اختيار قوّادها اعتماداً على الطاعة

العمياء، لا على الكفاءة والقدرات الشخصية.

في الفيلم الكثير من الرسائل المبطّنة، والكثير من الضحك.. وهو بالمناسبة خير ما يمكن أن يُقدَّم لتشويه سمعة «الشيوعية»، وهو يأتي -كما تعلمون- ضمن حملة البروباقندا السلبية التي تقودها الولايات المتحدة، لذلك منعت روسيا بثَّه في صالاتها حينما ظهر.