بعث الله سبحانه نبينا صلَّـى الله عليه وسلم؛ ليُبلِّغ رسالة السماء؛ لإقامة العدل والمساواة والتكافل بين البشر، فشرع العبادات بكل صورها، لتُعزِّز القِيَم الفاضلة والسلوكيات القويمة، وحددت آيات الكتاب الكريم كل ذلك حسب المكان والزمان والكيفية، حتى اكتملت صورة ذلك الأنموذج الرباني للمجتمع الفاضل في شخصية المصطفى صلَّـى الله عليه وسلم الذي أتمَّ رسالته حين قال: (إنما بُعثت لأُتمِّم مكارم الأخلاق).

لكن الواقع الذي تعيشه غالبية مجتمعاتنا الإسلامية هذه الأيام يُوحي بضمور تلك القِيَم والمبادئ التي قام عليها هذا الدين العظيم، ففي دراسة أُجريت عام 2010، وقام بها الباحثان الأمريكيان المسلمان «حسين عسكري وشهرزاد رحمن» بمجلة الاقتصاد العالمي بجامعة جورج واشنطن، تناولت تحديد البلدان الأكثر التزامًا بقِيَم تكافؤ الفرص والتكافل، والترشيد والأمانة... وغيرها كثير، وقد أظهرت نتائج الدراسة واقعًا مؤلمًا لكثير من الدول الإسلامية، حيث جاء أغلبها في ذيل القائمة العالمية تطبيقاً لتلك المبادئ.. فعلى سبيل المثال احتلت ماليزيا المرتبة 31 بين الدول التي أُجريت عليها الدراسة، وهي 204 دول عالمية، وهي تعد الدولة الأولى بين الدول الإسلامية في تطبيق تلك المبادئ، وبعدها جاءت دولة الكويت في المرتبة 42 عالميًا، ثم دولة كازاخستان في المرتبة 54، ثم بروناي في المرتبة 55، ثم البحرين في المرتبة 61، ثم الإمارات في المرتبة 64، ثم تركيا في المرتبة 71، ثم تونس في المرتبة 72، ثم الأردن في المرتبة 74، ثم أذربيجان في المرتبة 80، ثم عمان في المرتبة 82، وبعدها لبنان في المرتبة 87، في حين أن بلادنا الحبيبة مهبط الوحي ومنطلق الرسالة السماوية احتلت المرتبة 91 عالميًا، وهذا الأمر يجعلني أُطالب مؤسساتنا القائمة على أمر تلك القيم -سواء حكومية أو شرعية أو إدارية-، أن تنظر لذلك الخلل بعينٍ أكثر حرصًا لمعالجته، وأن تكون تلك الدراسة منطلق تصحيح، لا محطة للتبرير والإسقاط، حيث إن الأمر يستوجب ذلك -عاجلا وليس آجلا- كونه يمس مبادئ وقِيَمًا ينص عليها ديننا الحنيف، الذي نُمثِّل فيه القدوة لكل أمم الأرض.

ثم تتابع ترتيب الدول الإسلامية فاحتلت تركمانستان المرتبة 92، ثم قطر المرتبة 111، وبعدها المغرب في المرتبة 120، ثم مصر في المرتبة 128، وبعدها الجزائر في المرتبة 131، ثم احتلت إيران المرتبة 139، وبعدها العراق في المرتبة 148، ثم جيبوتي في المرتبة 155، وبعدها سوريا في المرتبة 168، ثم ليبيا في المرتبة 174، ثم اليمن في المرتبة 180، ثم السودان في المرتبة 190، وأخيرا احتلت الصومال ذيل قائمة الدول الإسلامية في المرتبة 199.

وفي مقابل تلك النتائج، نجد أن بعض الدول الأوروبية احتلت المراتب العشر الأولى في تطبيق تلك المبادئ، حيث احتلت أيرلندا المرتبة الأولى عالمياً، تلاها في المرتبة الثانية الدانمرك، ثم لوكسمبرج في المرتبة الثالثة، وفي المرتبة الرابعة السويد، ثم بريطانيا في المرتبة الخامسة، وبعدها نيوزيلاندا في المرتبة السادسة، وبعدها سنغافورة ثم فنلندا ثم النرويج ثم بلجيكا في المرتبة العاشرة، كما احتلت الولايات المتحدة الأمريكية المرتبة 15 عالميًا في تطبيق تلك المبادئ.

ولعل ما كشفته نتائج تلك الدراسة التي أجريت في أعرق الجامعات العالمية، يعطينا الإجابة لكثير من التساؤلات المطروحة عن أسباب تأخُّر مجتمعاتنا العربية والإسلامية عن ركب دول العالم الأول، وعن أسباب بروز عمليات الإرهاب، والفقر والبطالة داخل تلك المجتمعات.. والله من وراء القصد.