حرصت المملكة طوال العقود الثمانية الماضية، ومنذ عهد المغفور له الملك عبدالعزيز يرحمه الله على أن تكون علاقاتها مع مصر علاقة استثنائية قوية لا ترتبط ببعد معيَّن، حيث أرسى -رحمه الله- قواعد هذه العلاقة ووضع لبناتها عندما زار مصر عام 1946، وأوصى أبناءه قبل وفاته خيرًا بمصر، وتوثيق العلاقة معها بحيث لا تتعرض لأي هزة مهما كانت الظروف.

وعليه فقد حرص الأبناء على تنفيذ هذه الوصية، وعملوا على تنفيذها بحذافيرها، هذا الحرص الذي توليه المملكة لشقيقتها مصر جعل من الملوك الذين تعاقبوا على الحكم أن يعملوا على اختيار سفرائهم في مصر بدقة، ويولوا ذلك الاختيار جل اهتمامهم، ومع أن الجميع حقيقة قد أدوا أدوارهم في الحفاظ على هذه العلاقة على الوجه المطلوب إلا أنه في رأيي المتواضع، فإن تعيين معالي السفير أسامة نقلي ليكون سفيرًا للمملكة في مصر يعد من بين أنجح القرارات التي تم اتخاذها فيما يتعلق بالاختيار الموفق، فالمملكة بحاجة إلى من يمثلها في هذا البلد الشقيق الذي يتمتع بوسائل إعلام قوية لا تعترف بحدود معيَّنة، وعليه فلا بد من أن تعمل الدبلوماسية عملها كصمام أمان وتفتح الأبواب أمام الإعلام المتعطش، والحضور السريع في الرد على تساؤلاته، والسفير «نقلي» خير من يمكنه التصدي لذلك بصفته كان مديرًا عامًا سابقًا للدائرة الإعلامية بوزارة الخارجية في عهد أنجح وأشهر وزير خارجية سمو الأمير سعود الفيصل يرحمه الله، ولعله بقربه من سموه قد استفاد كثيرًا من توجيهاته وكيفية ردوده لمراسلي الصحافة ومحطات التلفزة، حيث كان «نقلي» حلقة الاتصال بين سموه وبين مندوبي الإعلام الدولي، وحتى الإعلام المحلي، ولا زلت أذكر أننا كنا -كرؤساء تحرير- نتلقى منه شخصيًا الدعوات لحضور اجتماعات خاصة أو مؤتمرات صحفية يعقدها سمو وزير الخارجية.

لا شك بأن الإعلام يعد من الوسائل الفعَّالة لتنفيذ السياسة الخارجية للدول، ووسائل الإعلام الموجهة للخارج تسعى لتحقيق أهداف الدولة الخارجية من خلال المؤسسات الإعلامية المختصة بالإعلام الخارجي،

وفي رأيي يجب أن يسعى السفير «نقلي» إلى ترتيب البيت باختيار ملحق إعلامي متميز يملك حسًا سياسيًا وأدوات كتابة تمكنه من نقل الصورة الحقيقية لمواقف المملكة في شتى المجالات، ويصرف وقته في بناء علاقات جيدة مع مسؤولي الإعلام، ويكون همزة وصل بين أولئك وبين معاليه.

في عام 2009 عقدت لجنة العلاقات الخارجية لمجلس الشيوخ الأمريكي جلسة استماع لتقييم واستعراض دور البث الإذاعي الأمريكي الدولي لدفع عجلة مصالحها القومية في العراق وأفغانستان، واتفقت الآراء على أن سلاح القوة بمفرده لا يمكن أن يسود كأسلوب للمعالجة ضد الخصوم ولا بد من إشراك الجماهير في رسم إستراتيجية المواجهة عن طريق الإذاعات والبعثات الإعلامية في السفارات، ولعل الكل يذكر كيف تصرف الرئيس الأمريكي الأسبق بوش لإيصال رسالته للعالم العربي إبان معركة تحرير الكويت، حيث ظهر على إحدى قنوات التلفزيون العربية المعادية له وطرح وجهة نظره تجاه تلك الأزمة وأملى شروطه، وذلك ينم عن ذكاء، فاستغلال الإعلام والتركيز عليه لبلوغ الأهداف المرجوة هو لعبة الأذكياء، لا شك بأن وسائل الإعلام المرئية قادرة على صناعة الرأي أكثر من غيرها ويجب استغلالها، والدبلوماسية العالمية أصبحت الآن هي الدبلوماسية الإعلامية والأذكياء هم من يستغلونها.