ذكرت في مقالٍ سابق المقصود بالقوة الناعمة وأدواتها حسب شرح عرَّاب هذا المفهوم البرفسور جوزيف ناي في كتابه: (القوة الناعمة -وسيلة النجاح في السياسة الدولية)، وهو: أن الإعلام يعتبر من أهم أدوات القوة الناعمة للحصول على الأموال وكسب تعاطف الشعوب بدلاً من الحروب وما تُخلفه من كوارث، فطبيعة البشر أن يُدافعوا عن بلادهم ويرفضوا احتلالها ونهب ثرواتها، وهذا الأسلوب كبَّد الدول المستعمرة خسائر بشرية ومادية وانتهاكات في حقوق الإنسان، فمثلاً: سياسة بريطانيا في القارة الهندية وبقيّة مستعمراتها، فشلت باستخدامها القوة الصلبة، بينما كسبت التعاطف والأموال عندما غيَّرت أسلوبها في التعامل مع تلك الشعوب عن طريق استخدام سلاح الإعلام؛ لإبراز الأماكن السياحية لديها، والتطوُّر الطبي والعلمي، وحصول علمائها على جوائز نوبل للطب وغيرها من العلوم. وتبعها بعد ذلك بقية الدول الكبرى في إبراز ما لديها من إنجازات، فمثلاً: برز طب العيون أحسنه في أسبانيا، والعظام أمهر أطبائها في ألمانيا، وعلاج القلب رائدة مراكزه في أمريكا، والثقافة مهدها في فرنسا، وفن العمارة بيئته في إيطاليا. أدى ذلك كله إلى زيادة أعداد السائحين وطالبي التعليم والعلاج لتلك الدول، وكان من نتيجته أن حصلت على تعاطف الشعوب، إضافةً إلى حصولها على أموال طائلة. وحتى تركيا استخدمت قوّتها الناعمة لزيادة السائحين العرب عن طريق مسلسلاتها التلفزيونية التي عُرضت في البلاد العربية. ومن أمثلة تأثير الإعلام في عقول الناس وترسيخ الأكاذيب على أنها حقائق، ما حصل أثناء الغزو العراقي لدولة الكويت الشقيقة، ووقوف المملكة المُشَرِّف باستدعاء قوات التحالف من الدول الشقيقة والصديقة لتحرير الكويت، الكل يتذكر التضليل الإعلامي في تلك الفترة وتأثيره لدرجة أن أحد الأصدقاء -يرحمه الله- جاء إلينا ونحن في مناسبة، طالباً منَّا مرافقته إلى الحرم المكي ليتأكَّد بنفسه من خلوّه من قوات التحالف، بالرغم من إفهامه أنها مجرد أكاذيب، إلا أنه كان مُصرًّا على رأيه. وأقرب مثال على تأثير الإعلام في الرأي العام، ما قام به حديثاً اثنان من الطلبة السعوديين في أمريكا -يرحمهم الله- في محاولة إنقاذ أطفال في أحد الأنهار، وكيف تعامل الإعلام الأمريكي مع الحدث.. بالطبع ليس المطلوب من مبتعثي المملكة أن يكونوا عمَّال إنقاذ، ولكن أردتُ بيان كيف انتشر الخبر وانعكس ذلك إيجاباً على المملكة وشعبها. ونحن جميعاً شعب هذه البلاد المباركة يجب أن يكون كل منَّا يُمثِّل قوّة ناعمة لبلده، فالطالب المبتعث بجدِّه واجتهاده وسلوكه الحسن يعكس صورة إيجابية عن بلده، كما التاجر وصدقه في تجارته، والسائح وتصرفه الجيد خارج بلاده. وجميعنا شاهد ردة فعل الإعلام عند قيام بعض المشجعين السعوديين بتنظيف أماكنهم بعد انتهاء إحدى مباريات كأس العالم في موسكو.

وأخيراً، يجب أن يكون تصرّفنا وأعمالنا تليق ببلدٍ به أولُ بيتٍ وُضع للناسِ، وعلى أرضه نزل القرآن. هذه بلادنا، أسأل الله أن يحميها شعباً وقيادةً.. اللهم آمين.