ليست قضية التحرُّش الإلكتروني هي الأولى أو الكبرى في هذا الإطار القميء، بل لأن القضية طفت من بئر المسكوت عنه؛ بعد أن فُتح غطاؤه وخرجت أفاعٍ وثعابين المسكوت عنه، التحرُّش والفساد والتطرُّف وفقدان الحقوق، كل تلك قضايا كانت مطمورة في بئرٍ عميق جداً من الصمت، رغم ذلك كُنَّا نُباهي بالخصوصية التي نتمتَّع بها، مَن كان يستطيع أن يتحدَّث عن قضية تحرُّش، حتى لو كانت مرورية، كما فعلت سمر خان، التي أخذت حقها مباشرة ممَّن كاد يرتكب حادثاً أو حوادث دامية، لولا لطف الله.

كم طفلًا تربَّى على الصمت والخوف من معرفة الآخرين بمعاناته، فسقط ضحية التحرُّش من أقرب المُقرَّبين له، لأن من حوله حرَّموا عليه التحدُّث في العيب، وقرنوه بالحرام، بينما الحرام هو ما يحدث للطفل من عنفٍ وامتهان للكرامة والجسد، دون أن يكون له حق الكلام وفضح المتحرِّش؟.

فقدنا أيضاً شباباً غضًّا تحت غطاء المسكوت عنه، لأنك لا تستطيع انتقاد صاحب فِكر متطرِّف؛ يخدع شبابنا وشاباتنا بمظهره، ولا يستطيع الشباب رؤية السواد الذي يُغطِّي روحه وقلبه في ظل الصمت، أو المسكوت عنه، حتى أصبح أي مُدَّعٍ للتديُّن خطاً أحمر!

حقوق المرأة كانت وصمة تغريب وتهمة بالتفسُّخ والانحلال، بينما تُستَغل النساء مادياً، وتُنتَهك حقوقهن تحت بند المسكوت عنه، كل هذه القضايا أصبحت هي مدار الأحاديث بعد أن كُشِف عنها غطاؤها، ليس تغريباً، بل عودة للإسلام الوسطي المنفتح، كما قال ولي العهد صاحب السمو الملكي الأمير محمد بن سلمان خلال إعلانه مشروع نيوم، وأننا لن نُضيِّع 30 سنة أخرى من حياتنا في التعامل مع أفكار متطرفة.. سوف نُدمِّرهم اليوم وفوراً، وسننشر الإسلام الوسطي المنفتح على العالم وجميع الأديان.

بدأ المجتمع يتنفَّس، يُفصح عن الأمراض دون خوفٍ أو وجل، صحيح كان ثمن الصمت غالياً، حيث فقدنا صغاراً وشباباً ضحايا التحرُّش والعنف، أو التطرُّف، لكننا بدأنا نستعيد حقَّنا في البوح والإعلان أن هناك خطراً يَنتهك براءة الصغار، كالمتحرِّش «طنبق»، حيث أعلن النائب العام يوم السبت 7 يوليو 2008م إلقاء القبض عليه، لأنه كان يستغل الصغار عبر الألعاب الإلكترونية والنفاذ إليهم، مستغلاً خوف الصغار وصمتهم، وهذه قضية يجب أن تتنبّه إليها الأمهات الشابات والتعامل معها بوعي أُسري، والتحاور مع الطفل والإنصات إليه دون ردع، كي يفصح الطفل عمَّن يتحرَّش به بأي طريقة.

قصص وحكايات عن تحرُّش السائقين بالأطفال وهم يذهبون بهم إلى المدرسة أو الألعاب، منظر السائقين وهم متجمِّعون أمام أبواب مدارس البنات، يمسكون بالطفلة ويُدخلونها السيارة بمفردها دون رقيب أو حسيب، أتمنَّى رقابة وعقوبة على الأهل الذين يُفرِّطون في سلامة صغارهم، ربما عن جهلٍ أو عن عدم اهتمام وتحمُّل مسؤولية.

أمن الطفل، هو أمن الأسرة والوطن، وانتهاك الطفل جسدياً أو نفسياً بالقول أو الفعل أو بالعنف يُدمِّر نفسيّته، ويخلق منه مواطناً مريضاً يرتكب العديد من الجرائم مستقبلاً في حق أطفاله ربما، أو في حق الوطن.

في زمن المسكوت عنه لا نُعلِّم الصغار نقل الكلام، لكني رأيتُ بناتي ينصتن لأطفالهن، وعندما أَنْتَقِد طريقتهن، يُخبرنني أن هذه أسلم طريقة لتعليم الطفل التحدُّث عمَّا يحدث معه. الزمن اختلف، كان الطفل يلعب في الحارة مع أقرانه تحت سمع ونظر رجالات الحارة، والكل يتعامل معه كالابن، الآن أصبح كل طفل منعزلاً مع جهازه الإلكتروني، لذلك يجب أن تتغيَّر أساليب التربية ومعايير العيب، وأن التوجه للجهات المختصة مباشرةً عبر منافذ التواصل المختلفة هو تأكيد على أن زمن المسكوت عنه ذهب دون رجعة، وأننا مجتمع يتعافى بسرعة.