للقِرَاءَةِ طقُوسٌ كَثيرَة، مِنهَا: الاستعدَاد النَّفسي، والاستعدَاد الزَّمَاني والمَكَانِي، ولَعلَّ أَهمّها أَنْ تَستَقبل مَعَاني الكِتَاب بقَلبِك، وإلَى هَذا أَشَار الفَيلسوف «البرتو مانويل» حِين قَال: (عِندَما تَقرَأ، استقبِل المَعَانِي بقَلبِك)..!

ولكَي تَقرَأ كِتَاباً مُفيداً وجيَّدا، هُنَاك مَقَاييس لمِثل هَذا الكِتَاب، مِن الصَّعب حَصرهَا، ولَكن الدّكتور «بهجت سمعان»؛ أَشَار إلَى وَاحِدٍ مِن أَهمّ هَذه المَقَاييس؛ حَيثُ قَال: (ستَعرف أَنَّك قَرَأَتَ كِتَاباً جيِّداً؛ عِندَما تَقلب الصَّفحَة الأَخيرَة، وتَشعر كَأنَّك فَقَدتَ صَديقاً)..!

وطَالَمَا نَتحدَّث عَن القِرَاءَةِ والكُتب، فلَابد أَن أُشير إلَى أَنَّ للقِرَاءَةِ فَوَائِد كَثيرَة، ومِن الحَمَاقَة أَن أَختَصرها فِي سَطر، ولَكن لَا مَانِع مِن الإشَارَة إلَى وَاحِدَة؛ مِن أَهمّ تِلك الفَوَائِد، والتي استَفدتُ مِنهَا -عَلَى الصَّعيد الشَّخصي- كَثيراً، أَلَا وهي «قوّة الذَّاكِرَة، وسُرعة الحِفظ»، لِذَلك عِندَما سُئل «عبدالله البخاري»؛ عَن أَفضَل دَوَاء للحِفظ، قَال: (إدمَان النّظَر فِي الكُتب)..!

وهُنَا، لَابُد مِن استعرَاض صِفَات صَديقك، وكِتَابك، إذْ يَجتمعَان فِي صِفاتٍ إيجَابيَّة مُشتَركَة كَثيرَة، ويَختَلِفَان -أَيضاً- فِي صِفاتٍ أُخرَى، ولَعلَّ أَبرَز صِفَة تُميِّز الكِتَاب عَن الصَّديق، وتَمنحه أَفضليَّة عَليه، أَنَّ الكِتَاب خَيرٌ، لَا شَر فيه، بَينمَا الصَّديق قَد يَأتيكَ بالخَير، والشَّر أَحيَاناً، ولِذَلك قَال «ابن المقفّع»: (كُل مَصحوبٍ ذُو هفَوَاتٍ، والكِتَاب مَأمون العثرَات)..!

وإذَا كَان الرَّكض مِن وَسَائِل تَنمية الجِسم، والطَّعَام مِن وَسَائِل تَغذية البَدَن، فالذي يُحرِّك الذِّهن ويَجعله خصباً؛ قِرَاءة الكُتب، وهَذا مَا صَرَّح بِهِ الفَيلسوف «جوبير» فِي قَوله: (يُخصبُ ذِهنك ويشقُ أَمَامكَ جَديد الآفَاق، عِندَمَا تَنكَب عَلَى قِرَاءة الكُتب)..!

وأَخيراً أَقول: لكُلِّ مَنزل نَوافذه الحِسِّية؛ التي يُدركها كُلُّ شَخص، حِين يَتلمَّس الجِدَار، ولَكن هُنَاك نَوافِذ مَعنويَّة؛ يُدركها كُلّ مُحبّ للقِرَاءَة، لأنَّ الكُتب فِي المَنَازل هي نَوافذ؛ تَسمَح بدخُول الأَفكَار والرُّؤَى والتَّصوُّرات، وفِي هَذا يَقول الفَيلسوف «بيتشر»: (الكُتب نَوافِذ؛ تشرف مِنهَا النَّفس عَلَى عَالَم الخيَال، فبَيتٌ بِلَا كُتب كمَخدعٍ بِلَا نَوافِذ)..!

حَسنًا.. مَاذا بَقي؟!

بَقي القَول: يَا قَوم، الحَضَارَة لَهَا تَعَاستهَا ولَهَا سَعَادتهَا، والسُّؤَال هُنَا: مِن أَينَ تَأتي سَعَادة الحَضَارَة؟. يُجيبنا أَحدُ الفَلَاسِفَة قَائلاً: (الكُتب سَعَادة الحَضَارَة، بدُونهَا يَصمت التَّاريخ، ويَخرَس الأَدَب، ويَتوقَّف العِلْم، ويَتجمَّد الفِكر والتَّأمُّل)!!.