قالت المحكمة الإسرائيلية، وهي تشرع وضع بؤرة ميتسبي كارميت الاستيطانية في الضفة الغربية المحتلة: «إن المستوطنين القاطنين فيها لم يكونوا يعلمون أن هذه الأرض، التي منحتها إياهم الحكومة الإسرائيلية، هي ملكية فلسطينية خاصة، وبالتالي فإن هذا الأمر يُثبت أنهم حين وضعوا يدهم على الأرض كانت لديهم «النية الحسنة»، وهكذا يُصبحون هم المالكين الشرعيين لهذه الأرض!».

وامتدادًا لحسن النية -على الطريقة الصهيونية-، وخلال جلسات المحاكمة، أكد مسؤولون إسرائيليون أن الحكومة بدروها لم تكن تعلم حين قررت تخصيص هذه الأرض للاستيطان، أنها ملكيّات فلسطينية خاصة!

الآن وبحسن نية، من الواحب أن تعلم الأجيال العربية الطالعة، حقيقة الأكذوبة الإسرائيلية، ففي قديم الزمان اقترح مردخاي مانويل نوح إيجاد وطن يهودي في جزيرة غراند في نهر نياجارا، يُسمَّى «أرارات»، نسبةً إلى جبل أرارات، مكان رسو سفينة نوح بحسب الكتاب المقدس.

ودعا نوح أمريكا لأخذ زمام المبادرة في هذا المسعى الذي خاب، وليته ما خاب.

ثم كان ما كان، وظهر على السطح برنامج أوغندا البريطانية، الذي وضع خطة لمنح جزء من إفريقيا الشرقية البريطانية للشعب اليهودي كوطن.

كان ذلك عام 1903 عندما عرض وزير المستعمرات البريطاني جوزيف تشامبرلين على المنظمة الصهيونية بقيادة تيودور هرتزل منطقة بمساحة 5,000 ميل مربع (13.000كم2) من هضبة ماو فيما يُعرف اليوم بكينيا.

وبحسن نية صهيونية، عرضت الفكرة على المؤتمر الصهيوني التابع للمنظمة الصهيونية العالمية في اجتماعه السادس في عام 1903 بمدينة بازل، ولكن جماعات أخرى رأت بحسن نية أن قبول العرض سيجعل مشروع إقامة دولة يهودية في فلسطين صعبًا، وتبعًا لذلك تم إرسال وفد لتفقُّد الهضبة، نظرًا لارتفاعها العالي، غير أن المراقبين وجدوا أرضًا خطرة مليئة بالأسود وغيرها من المخلوقات، علاوةً على ذلك، فإنه كان يسكنها عدد كبير من الماساي الذين لم يبدو عليهم على الإطلاق قبولهم لتدفق الأوروبيين.

أخيرًا جاء وعد بلفور بتخصيص أو منح أرض فلسطين -وكأنها ولاية بريطانية- لإسرائيل، كي تقيم دولة فيها!!

ثم كان ما كان من حروبٍ ومن صراع، حققت فيه إسرائيل بحسن نية كل ما تريده، مسيطرة على القدس، ثم كان ما كان وتلاقت حسن نية الصهاينة مع حسن نية بعض العرب، وبدأت مفاوضات السلام.. ومن نية سوداء لأخرى أَسْوَد أو أكثر سوادًا، تم التنازل على معظم الأرض، مرَّة بالحرب وأخرى بمفاوضات السلام، وثالثة بالسكوت عن حمى الاستيطان، حتى وصلنا لمرحلة الانسجام!

من لطف الله أنه مازال في الأمة رجال ونساء ينتابهم كل حين رغبة جامحة في أن يمتلكوا أكثر من عمر، كي يعيشوا ليشهدوا عودة فلسطين.

من لطف الله، أن هناك ملايين يُردِّدون اسم فلسطين كل يوم، حين العصافير تصحو.. وحين صوت المؤذن للفجر يسمو.. وحين أباريق الطهر تدنو.. ثم يدعون لها بورعِ التائبين، وروعة الذائبين في حب فلسطين.

إنهم أولئك الذين يبحثون في الملاجئ عن بقعة للسكينة.. وعن رقعة تشرق شمس فلسطين فيها، وتنزل فيها الحمولة، من لطف الله، أن هناك على الجسر من اصطفوا وفوَّضوا الأمر إلى الحي الذي لا ينام، وامتثلوا للأمر.

من حسن حظ فلسطين، أن فيها وعلى أرضها ألف ألف مشروع شهيد كل ساعة، وأن الشهيد فيها يُرسل كل يوم بعض النهار وبعض الهتاف المطرز بالاخضرار، فتصحو ظلال السنين، وتوقظ فينا الحنين لأرضك يا فلسطين.

تكتب المحكمة الإسرائيلية حكمها بشرعية الاستيطان، ويكتب تلاميذ فلسطين اسم القدس في كُتب الدرس.. وينقشون صورها على حوائط الحبس.

إنها فلسطين التي تصرخ وسط صمت الملاجئ.. وتسطع تحت دكنة البحار والشواطئ.. إنها فلسطين تنطق وسط أفقر البيوت.. وفي فانوس كل عيد.. وفي مواقع الإعلام الجديد.

قالت منظمة «السلام الآن» الحقوقية الإسرائيلية المناهضة للاستيطان: «إن تذرُّع المحكمة الإسرائيلية بحسن النية في هذه الظروف، أمر مثير للاشمئزاز»، والحق عندي أن هناك في أمور بعض العرب من حجج التمحُّك بإسرائيل، والتذرُّع بحسن نيتها معنا، ما يثير نفس الشعور!.