تنتشر الشكوى بشكلٍ متزايدٍ من التَعَب والإجهاد والأرَق مما ينغّص على الكثير منّا حياتهم اليومية، حتى المُقتصدون في العمل (أو الكُسالى) يَشتكون بشكل أو آخر من التَعَب.

فهل من الضروري أن يُرافقنا التَعَب والجَهْد (المشقَّة) في أعمالنا اليوميّة وأشغالنا الحياتيّة سواءً في الوظيفة أو العمل الحُر أو التجارة أو الشؤون العائلية والمجتمعية؟ وهل يَتناسب مِقدار وأهمّية الإنجاز مع مِقدار وحجم التَعَب؟

إنّ ديننا الحنيف دينُ يُسر وليس دين عُسر، يبرز ذلك في أوامر الله عز وجل وهدي المصطفى صلى الله عليه وسلم (يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ)، (فَإِنَّمَا يَسَّرْنَاهُ بِلِسَانِكَ)، (وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ)، ومن دعاء المبعوث رحمةً للعالمين عليه أفضل الصلاة والتسليم (اللَّهُمَّ مَنْ وَلِّيَ مِنْ أَمْرِ أُمَّتِى شَيْئًا فَشَقَّ عَلَيْهِمْ فَاشْقُقْ عَلَيْهِ وَمَنْ وَلِّيَ مِنْ أَمْرِ أُمَّتِى شَيْئًا فَرَفَقَ بِهِمْ فَارْفُقْ بِهِ). وقد ورد في تفسير ابن كثير نقلًا عن بعض الكتب: "يقول الله تعالى: ابن آدم، خلقتك لعبادتي فلا تَلعَب، وتكفّلت برزقك فلا تَتَعب ..."، وقد أوضح الشيخ الشعراوي رحمه الله أن معنى لا تَتَعب الواردة هنا هي ألا يتعب قلبك، بل الجوارح تعمل (وقد تَتعَب) والقلوب تتوكّل (فلا تَتعَب).

إنّ الجمع بين ضرورة الأخذ بالتيسير والرِفق (المطلوب في تعاليمنا الدينية) ومتطلبات العمل المتزايدة للجد والاجتهاد (المطلوبة بشكل متزايد في حياتنا المعاصرة) أمرٌ ميسورٌ إذا ما تم وضع الأمور في نصابها وقد سَبَق إلى ذلك روّاد العمل والنهضة من المسلمين الأوائل حينما كانوا يعملون ليل نهار (مع ما في ذلك من إجهاد جسدي) مُستمتعين بأعمالهم مُبدعين في إنتاجهم (بقلوبٍ مطمئنةٍ مرتاحة)، وتلك سنّةٌ ثابتةٌ للنجاح حتى في أيّامنا هذه التي تتطلب بشكل متزايد من الفرد جُهدًا وبَذلًا وعملًا دؤوبًا.

يقول رائد الأعمال المشهور ستيف جوبز: "إنّ عملك سيملأ جزءًا كبيرًا من حياتك، والطريقة الوحيدة لتكون راضيًا هي أن تفعَل ما تعتقد أنه عملٌ رائع، والسبيل الوحيد لذلك هو أن تُحب ما تعمل". فيما يؤكد الأديب الأمريكي مارك توين: "مبدأ العمل، الذي يبدو غير عادل ولا يمكن لشيء تغييره، هو أنه كُلّما زادت مُتعتك فيما تعمله كُلّما تحصّلت من عملك على المزيد من المال" (النجاح، بمفهومه). ويقول أحد أبرز العاملين في مجال الاتصالات اللاسلكية عندما تم تكريمه مؤخرًا لمساهماته على مدى قرابة 30 عامًا في تطوير قطاع الاتصالات: "أنتم تكرّموني على عملي طوال السنوات الماضية، بينما أنا كنت مستمتعًا بذلك العمل".

يتّضح بذلك أهمّية التمييز بين التَعَب والجهد الجسدي، وهو أمرٌ ضروريٌ ومُرافق للإنجاز والتميّز، وبين تَعَب القلب والأرَق النفسي، وهو ما يَجب تجنّبه والابتعاد عنه. لذلك فإنه يجب على الفرد، بعد بذل الجُهد المطلوب وبالجودة اللازمة، أن يكون متوكلًا على الله ويتقبّل النتائج، حتى وإن كانت على خلاف ما يتمنّاه، استنارةً بهدي المصطفى صلى الله عليه وسلم: (عَجَبًا لأمْرِ الْمُؤْمِنِ إِنَّ أَمْرَهُ كُلَّهُ لَهُ خَيْرٌ، وَلَيْسَ ذَلِكَ لأِحَدٍ إِلاَّ للْمُؤْمِن: إِنْ أَصَابَتْهُ سَرَّاءُ شَكَرَ فَكَانَ خَيْرًا لَهُ، وَإِنْ أَصَابَتْهُ ضَرَّاءُ صَبَرَ فَكَانَ خيْرًا لَهُ). ويجب على المسؤول والقائد الفطِن أن يُيَسّر مهمة من معه ويُوفّر بيئة عمل محفّزة (غير منفّرة)، إيجابيّة (غير سلبيّة)، تعاونيّة بنّاءة (ليست تنافسية هدّامة)، جماعيّة (ليست فردية) بحيث يتشوّق المنتسبون إلى هذه البيئة للتواجد فيها والمساهمة في تحقيق أهدافها.

وخلاصة القول: فإنّ "لا تَتْعَب" هي دعوة لمضاعفة العمل وبذل قصارى الجُهد لتحقيق أهدافنا والإنجاز بتميّز، مع اليقين بأن حصول النتائج هو بيد المولى عز وجل وحده وإنّما مسؤولية كل فردٍ منّا، في موقعه، أن يعمل ويَبذُل جُهده ويُسخِّر في ذلك ما وهبه الله عز وجل من معرفةٍ ووقتٍ ومالٍ... إلخ ومع أن ذلك يتسبب غالبًا في الإجهاد الجسدي إلّا أنه يجب ألا يَتْعَب القلب بل يكون مطمئنًا دومًا إلى أن تدبير الأمور بيد رب العالمين سبحانه وتعالى.

* وكيل وزارة الحج والعمرة لشؤون نقل الحجاج والمعتمرين