أهداني أحد الزملاء العدد الأول من مجلة الحج، والذي صدر في رجب عام 1366هـ، بإشراف مديرية الحج العامة بمكة، أي قبل نحو 74 عاما، وبذلك تستحق اليوبيل الماسي بعد سنة، المجلة على صورة كتاب متوسط الحجم، يبدأ بكلمةٍ سامية مقتطفة من خطاب للمُؤسِّس الملك عبدالعزيز- رحمه الله-، بعدها كلمة افتتاحية لمعالي وزير المالية بالعربية والإنجليزية، ثم مجموعة من المقالات لروّاد الحركة الأدبية في ذلك الوقت، من أصحاب الفضيلة والسعادة، منهم الشيخ محمد بن مانع، السيد صالح شطا، الشاعر أحمد إبراهيم الغزاوي (حسان الملك عبدالعزيز) بقصيدة عنوانها: «صلاة الفجر»، ومحمد علي مغربي، وعبدالوهاب آشي، وحسين سرحان، ومحمد زيدان، وعبدالله عريف... وغيرهم.

في نفس العدد كتب الأستاذ محمد حسن فقي- رحمه الله- مقالًا رائعًا عنوانه: «ماضي الحج وحاضره ومستقبله»، وصف فيه الحج قديمًا بأنه جهاد عنيف، لا يخرج المجاهد منه إلا وقد ناله شواظ مِن لهب المعركة، وهو مغامرة لا يقدر عليها إلا كل راسخ العقيدة، شجاع القلب، وفر الثراء، ثم تحدث كيف تغيَّر الوضع تحت حكم الملك عبدالعزيز، فتبدَّلت المعالم، واختلفت المقاييس، وتحسَّنت وسائل النقل، وتوطد الأمن، وتيسَّرت أماكن الإقامة، وعُني بالصحة، ثم قدم صورة عن حج المستقبل، وهو ما شدني، لأن الكاتب، كان يستقرئ المستقبل، وذكر الكثير من التسهيلات التي سخَّرتها الدولة- حماها الله- هذه الأيام لضيوف الرحمن.

أترككم مع ما خطَّه بدون تعليق، حيث قال: (أما غد.. غد المحجب بالغيوم، المترامية بشائره، المرتقب من ملايين لهيفة متطلعة.. هذا الغد الحبيب سيكون بقدرة الله، ثم بجهود وإخلاص أبناء هذا الوطن الغالي، غدًا متلألئًا حفيلًا بالعظائم والمكرمات، فسيشرب الحجاج الماء عذبًا غير أغبر، وسيتنقَّلون على الطائرات والقطارات السعودية، وستتيسَّر بتيسُّر المواصلات وسرعتها تنقلات الحجاج في ربوع البلاد المقدسة، وسيصل الماء إلى مكة وعرفات ومنى نظيفًا معقَّمًا، وسينزل الحجاج في فنادق فخمة لا تقل استعدادًا وأناقة عن مثيلاتها في بلادهم، وستتسع الخدمات الصحية في البلاد بشكل يلمس به الفارق البعيد بين الأمس واليوم، وسيكون للحج إدارة حكومية خاصة تهتم بكل ما من شأنه إرشاد الحاج وإراحته وطمأنينته إلى أداء نسكه كاملا غير منقوص، وتتعهده بالرعاية والبر، منذ أن تطأ قدمه هذه الأرض المقدسة إلى أن يؤوب إلى بلاده قرير العين، بما احتقب من طاعة ومثوبة. وإنا لنرجو مخلصين أن يُحقِّق الله الكريم لهذه البلاد العزيزة من الآمال فوق ما ترجوه وما تطمح إليه في ظل العاهل الكبير.. فإن في ذلك ما يرفع رأس كل عربي ومسلم، فلا يوجد قطر من أقطار الأرض؛ له حق الرعاية والعطف والتأييد على كل عربي ومسلم ما لهذا القطر الكريم).

B.assas@hotmail.com