في ذكرى اتفاقية أوسلو التي تم توقيعها في ١٣ سبتمبر ١٩٩٣، أثبت الشعراء الفلسطينيون بجناحيهم أنهم كانوا الأكثر إحساسًا وتوقعًا وحدسًا ورؤية؛ من الساسة الذين أفنوا عمرهم في الدفاع عن الأرض، قبل أن يوقّعوا على تنازلهم عن المزيد.

يومها ثار الشاعر محمود درويش متحسرًا ولائمًا ومعاتبًا الجميع بمن فيهم المناضل ياسر عرفات، لقد تصرَّف المفاوضون -كما يقول درويش- بعكس المنطـق: ففي العادة، يتم التوصل إلى اتفاق على المبادئ الكبرى، ثم يجلس المتفاوضون إلى مائدة المفاوضات للبحث في التفاصيل.

والحال أن المتفاوضين أهملوا -أو أرجأوا- الاتفاق على المسائل الجوهرية: القدس، الحدود، مسألة اللاجئين. ولم تأتِ الاتفاقية على ذِكر إقامة دولة فلسطينية في نهاية العملية.

ويضيف درويش: «أنا أريد كلمة دولة»، ثم إن الاتفـاقية لا تتضمن عبارة «إنهاء الاحتلال»، لقد اعترفت القيادة الـفلسطينية بدولة إسـرائيل، بينما لم تعترف هذه الأخيرة إلا بمنظمة لا أكثر، وإذا حدث وانتهت المفاوضات إلى الفشل، سوف يجد الفلسطينيون أنفسهم أسرى هذا الوضع المؤقت.

وختم درويش حديثه التاريخي قائلًا: «إنك تدرك جيدًا يا أبا عمار أنني لا أعترض على الاتفاق مع إسرائيل، ولكن كان يجب عقد اتفاقية مشرّفة، تمكِّننا من الحصول على أكثر مما حصلنا عليه، على الأقل تفكيك المستوطنات في قطاع غزة، التي تُشكِّل شوكة في جسدنا، خاصة وأنت تعرف مدى توق إسرائيل إلى الانسحاب من غزة، توقيعك على هذه الاتفاقية يا أبا عمار سيفتح أبواب البلدان العربية أمام إسرائيل، فهو يمنحها الشرعية التي طالما انتظرتها.. هذه مغامرة!».

لاحظ معي هنا أن محمود درويش ظل لفترة منغمسًا في العمل السياسي من داخل إسرائيل، حتى تصوَّر البعض أنه من جناحٍ آخر غير جناح المقاومة؛ قبل أن يُطلق قصيدته الرصاصة «عابرون في كلام عابر»، وفيها يقول: أيها المارّون بين الكلمات العابرة؛ كالغبار المر، مرّوا أينما شئتم؛ ولكن لا تمرّوا بيننا كالحشرات الطائرة».

هذا عن محمود درويش؛ الذي توقَّع الفشل وتبعات الفشل لاتفاقية أوسلو قبل أن يموت، أما صديقه سميح القاسم، فقد كتب رسالة إلى الغُزاة، الذين لا يقرأون، جاء فيها: تقدّموا تقدّموا.. كل سماء فوقكم جهنم.. وكل أرض فوقكم جهنم.. تقدَّموا.. يموت منّا الطفل والشيخ ولا نستسلم.. وتسقط الأم على أبنائها القتلى ولا تستسلم.. تقدَّموا.. وراء كل حجر كف.. وخلف كل عشبة حتف.. وبعد كل جثة فخ جميل محكم.. وإن نجت ساق.. يظل ساعد ومعصم.

هكذا فطن الجناحان المحلِّقان في سماء الشعر الفلسطيني لحقيقة الخدعة الكبرى التي انتهت إلى ما انتهينا إليه الآن.. أما على الأرض، فقد احتفى شعراء فلسطين والعرب بالحجر كرمز، أكثر من احتفالهم بأي معنى آخر.. ربما كان ذلك هو السبب الذي جعل الشاعر ممدوح عدوان يسترجع بعد فترة أو يستعيد زمن الحجر.. هذا زمان من حجر.. الظل وسط الصيف مات من الضجر.. والسيف وسط الحرب مات من الضجر.. والماء في الأنهار قد أضحى حجر.. إن شئت أن تحيا عزيزًا.. كُن حجر واحمل حجر.. واضرب حجر.

الآن وبعد ربع قرن، توهَّجت بل تحقَّقت توقعات أو تخوّفات محمود درويش.

مات درويش ومات عرفات، وعاش الطفل الفلسطيني المقاوم.. ويا أيها المارّون بين الكلمات العابرة.. كدّسوا أوهامكم في حفرة مهجورة وانصرفوا.. وأعيدوا عقرب الوقت لشرعية العجل المُقدَّس.. أو إلى توقيت موسيقى المسدس.. فلنا ما ليس يرضيكم هنا.. فانصرفوا.. ولنا ما ليس فيكم.. وطن ينزف.. شعبًا ينزف.. وطنًا يصلح للنسيان أو للذاكرة.