لم يحظَ عِلمٌ من العلوم البشرية بالاختلاف حولَه والجدل عليه؛ كالذي حظي به علم الفلسفة، ولعل الاختلاف حول الفلسفة -قبولاً أو رفضًا- يعود لنوعية اهتماماتها؛ فالفلسفة -في سيرتها الأولى- كان موضوعها الغيبيات، أو ما يُعرف بما وراء الطبيعة (الميتافيزيقيا)، كالوجود الإلهي وبَدْء الخلْق والموت والفناء والخلود. غير أن موضوعًا كـ(الغيبيات) يظل في محيط الاجتهاد البشري، ولا يمكن الجزم بنتائجه، بل إن الدخول فيه يُعَد بمثابة الدخول في فضاء لا متناهٍ من الحيرة والشك، ولذا كان هذا الموضوع من صلب مهام الأنبياء والرسل، الذين جاؤوا بتفسيراته وتعليلاته من واقع الوحي المنزَّل من الله الحكيم القدير.. «ولا يُنبِّئُك مثل خبير». مشكلة الفلسفة أنها تتلوَّن مع كل عصر، وتصنع من نفسها مفسرًا أمينًا لغيبياته، وسببًا رئيسًا لمنجزاته؛ ففي عصور ما قبل النهضة بما فيها عصور تنزُّل الرسالات، التي كان مدار اهتمامها أمور الغيب كإثبات وجود الله، وتفسير نشأة الكون، وأسرار الوجود والموت والبعث والنشور والملائكة والجن وما لا تُدركه الأبصار، نجد الفلسفة تدخل على خط المنافسة بقوة، حتى غدت المفسر لتلك الغيبيات وخاصة قضية الوجود الإلهي التي غدت الموضوع الرئيس للفلسفة، حيث يؤكد الدكتور مصطفى النشار في كتابه: (مدخل جديد إلى فلسفة الدِّين) إلى أن هذه النظرة هي التي «سادت الفكر الفلسفي طوال العصور الوسطى لدى فلاسفة اليهودية والمسيحية والإسلام». هذا التدخُّل من الفلسفة لم يحظَ -خاصة عند المسلمِين- بكبير اهتمام؛ كونهم حديثي عهد بالرسالة السماوية ولديهم من الأدلة والبراهين -التي لا يُخالطها الشك- ما يُعزِّز موقفهم عند التعامل مع تلك القضايا، ولذا رأينا كيف أن أكثر المسلمِين لم يكونوا على وفاق مع الفلسفة وهي بتلك الكيفية. لكن، ومنذ تباشير عصر النهضة، رأينا كيف أن الفلسفة بدأت تتحوَّل عن اهتماماتها الأولى (الغيبيات)، وأخذت تُزاحم المنهج التجريبي في مخرجاته بادعائها أنها وراء تلك المنجزات، وهو ما جعلني انحاز -قبل فترة- إلى الذين لا يُؤمنون بهذا الادعاء في ظل اشتغال الفلسفة بالغيبيات، وهو الاشتغال الذي لا يمتُّ للمنجزات الحديثة بصلة، لكنَّ قناعاتي تلك بدأت تتزحزح بتزحزح الفلسفة نفسها عن اشتغالها بالغيبيات. ما دعاني لطرق هذا الباب، هو تلك الأسطر -لم يُكتب اسم منشئها- التي وردت على الصفحة الثقافية بصحيفة (الرياض) السبت الماضي حينما تكلمت عن (الفلسفة الحديثة) بقولها: «حسب التقليد التحليلي في أمريكا الشمالية والمملكة المتحدة، تنحو الفلسفة إلى أن تكون تقنية بحتة تُركِّز على المنطق والتحليل المفهومي، وبالتالي فإن موضوعات اهتماماتها تشمل نظرية المعرفة، الأخلاق، طبيعة اللغة، وطبيعة العقل.. وبهذا الفهم تُصبح الفلسفة مهتمَّة بتحديد طريقة الحياة المثالية، وليست محاولة لفهم الحياة». هذا يعني أن الفلسفة بدأت تتخلَّى عن قناعاتها الأولى، وتُركِّز على ما يُعرف بـ(فلسفة المنطق) القائمة على ركنَي (الاستقراء والاستنتاج)، ومع أنها فلسفة قديمة ظهرت على يد أرسطو، ثم جاء ديكارت بحسب علي رضا في موقع (الباحثون المصريون) فعمل على «كسر قيود أرسطو في فلسفة المنطق على يد اثنين من تلاميذه وهم أنطوان أرنولد وبيير نيكول في كتابهم الشهير: (منطق الميناء الملكي)»، إلا أن الفلسفة كثيرًا ما تشبَّث أتباعُها ومريدوها بالغيبيات والسفسطات، وهو الأمر الذي جعلها ترتبط بهذا المنحى عند كثير من مناوئيها. الفلسفة وفق اهتمامها بـ(فلسفة المنطق) وبُعدها عن (الغيبيات) تغدو أكثر قبولاً ومصداقية، وتجعل مناوئيها أكثر تصالحًا معها وقبولاً بها، وقد بيّنتُ ذلك في مقالٍ سابق تحت عنوان: (التوافق مع الفلسفة).