مع سلبيات رسائل الواتس الكثيرة، أجد أن التذكير بالمناسبات الدينية والاجتماعية، إيجابية، تقسر طاقاتنا التي تستنفذها سلبيات الرسائل المكررة والطويلة، والأخبار الكاذبة والشائعات على الاستمرار في التواصل مع كل المجموعات، حتى مع الأفراد، الذين يُحوِّلون هواتفهم إلى مكب نفايات الواتس آب، كلما وصلتهم رسالة حوَّلها على كل المضافين عنده، دون التحقق منها، وربما لم يقرأها.

كلنا نشكو من هذه الحال؛ الرسائل الطويلة والمكررة، والأدعية على مدار اليوم، حتى الفتوى لشيوخ زمن الصحوة، مقاطع فيديو تُعبّئ هاتفك على مدار اليوم، يبدو أني أنا المعبَّأة بالحنق واللوم، لأن موضوع اليوم هو قضية الرسائل التي تتقاطر على هاتفك، قبل كل مناسبة دينية، تُحرِّم بعضها التهنئة مثلًا بالعام الجديد، وأنه لا يجوز التهنئة به، أما بالنسبة للتهنئة بالعام الميلادي، فتلك قضية القضايا التي لازالت تبث كل عام، عجبتني صديقتنا في مجموعة طالبات عمر عبدالجبار الحبيبة عائشة أبوهليل، خدمتها الرسائل الصوتية، قالت معترضة على رسالة (التهنئة بسنة المسلمين) هكذا أذكرها، لماذا لا نُهنئهم بالسنة الميلادية والهجرية، كلها أيام الله؟، لا زال التشدُّد في تحريم التهنئة، وهي مناسبة للتواصل، والتفاؤل بسَنةٍ تمحو كل الأحزان والإحباطات، التي ربما تعثَّرنا بها في السنة المنصرمة، صحيح أن التاريخ الهجري يخص نبينا محمد -صلى الله عليه وسلم-، لكنه أُرسل للعالمين أجمعين، وسيّدنا عيسى عليه السلام نبي من أنبياء الله نُؤمن به، ونُبجِّل والدته سيّدتنا مريم بنت عمران، التي ضرب الله بها مثلًا للذين آمنوا رجالًا ونساءً، وأفرد لها سورة في القرآن، لماذا لا نُشارك العالم احتفالاته بالعام الميلادي، ولماذا كل أقوالنا وأفعالنا تدخل في دائرة الحلال والحرام، بينما الحلال مطلق والحرام مُقيَّد بما ورد في كتاب الله؟!.

لماذا يدخل عامنا الهجري بصمتٍ ودون ضجيج، رغم أنه يُمثِّل ذكرى أحدثت انقلابًا سياسيًا واجتماعيًا ودينيًا وعسكريًا في تاريخ الجزيرة العربية، وتاريخ الأمة، حيث انطلق الرسول مهاجرًا إلى المدينة المنورة، وتم تأسيس أول دولة في الإسلام، أسَّست لقواعد الحياة الاجتماعية والتكافل الإنساني والمساواة والعدالة الاجتماعية بين مجتمع المدينة، كذلك دروس الغزوات التي اضطر إلى خوضها -صلى الله عليه وسلم- بالقليل من العدّة والعدد، في مواجهة جيوش قريش وحلفائهم مدجّجة بالمال والعتاد، مع ذلك انتشر الإسلام في كل بقاع الأرض بخُلق المسلمين الأوّلين، الذين استقوا من صُحبته -عليه الصلاة والسلام- حُسن الخُلق، ومن سيرته العطرة، قِيَم التعامل والتعايش والاختلاف، والحب والسلام.

احتفالنا بالعام الهجري الجديد ليس بدعة، كما رسخ في عقول شيوخ الصحوة الذين كانوا يفرضون على المجتمع صنوفًا من التشدد والتشنج والعنف، حتى في التعاطي مع مناسبات دينية وتاريخية كالعام الهجري الجديد، أو مناسبة وطنية كالاحتفاء باليوم الوطني، وتحريم الفرح بكل أشكاله، وكل ما له علاقة بإدخال البهجة على النفس.

الحمد لله، فبخروجنا من ثلاثينيات الألفية الثالثة نكون قد اجتزنا عتبة مرحلة متوترة بالأفكار المتشددة والمحرَّمات التي ما أنزل الله بها من سلطان، وانتقلنا إلى مرحلة جديدة، أربعينيات الألفية الثالثة، سيُسجّلها التاريخ، كما كُنَّا نُحدِّد ستينيات وسبعينيات القرن الماضي أو الألفية الثانية، كمراحل تغيير وتحديث في عالمنا العربي، يمكننا تحديد نهاية ثلاثينيات الألفية الثالثة بالنقلة النوعية بالنسبة للتعامل مع المرأة «على حدٍّ سواء»، فهي لأول مرة تتولى مناصب قيادية جديدة، لم يكن متاحًا لها تبووُّ مثلها، ولا حتى في أحلامها، حتى الحلم أصبح لا يستوعب التغييرات السريعة التي تحدث إيجابيًا،

ولابد أن أذكر أن المرأة السعودية تستقبل العام الهجري وهي تقود سيارتها بنفسها، تذهب بأولادها إلى المدرسة مطمئنة، تذهب إلى العمل أو الدراسة دون الارتهان لذَكَر! ألا يستحق كل هذا التهنئة بالعام الهجري الجديد؟.

نحن في الحجاز اعتدنا التهنئة حتى على الثوب الجديد قائلين: «تقطّعه بعرقِ العافية»، والحذاء الجديد -أكرمكم الله- نقول: «مبروك على الأرض»، وكل شيء جديد في حياتنا. ألا يستحق عام هجري جديد قادم بكل هذا الزخم على كل المستويات أن يحظى بالفرح والتهنئة والاحتفاء؟!.

كل عام وأنتم بخير، وصحة وسعادة وفرح.