يجب أن نفرق في البداية بين من يحمل شهادة دكتوراة من جامعات عالمية متميزة وفي مجال بحثي تقني في أحد مجالات البحث الطبية أو الهندسية أو العلوم البيولوجية والكيميائية أو الفيزيائية وما شابه ذلك وبين من يحمل شهادة من جامعات بعيدة عن الكفاءة وسمعتها العلمية متدنية وفِي نفس الوقت تخصصات متكررة متوفرة لا تقدم ولا تؤخر، فالفرق في النوعية كبير والفرق في درجة الاحتياج بين الاثنين واضح. ومن هنا فإن من الظلم أن نجعل الاثنين في مرتبة واحدة في توظيفهم في الجامعات أو المراكز البحثية، فخريجو البعثات ليسوا على مستوى واحد من حيث الاستفادة منهم ومطالبة الجامعات في توظيفهم جميعهم مهلكة للجامعات خاصة إذا وضعنا ناحية العمر في الموازنة للتوظيف فحامل دكتوراة في أحد تلك التخصصات من جامعة عربية وسنه فوق الخمسين لا يماثل حامل دكتوراة في البيولوجيا الجزئية من جامعة أمريكية وسنه ثلاثون عامًا. وهكذا فان الظلم كله واقع هذه الأيام على خريجي البعثات حملة الدكتوراة أو الماجستير المتميزين الذين يحملون سيراً ذاتية فيها نشر بحوث علمية في مجلات عالمية في تخصصات يحتاجها الوطن فهؤلاء يجب أن توظفهم الجامعات إن لم يكن أعضاء هيئة تدريس فباحثون في المراكز البحثية على وظائف أساتذة مساعدين يكون لهم الحق في الترقية إلى أستاذ مشارك وأستاذ. وبذلك نكون جمعنا بين توظيفهم وتفريغهم للتخصصّات النادرة يسدون بها النقص البحثي ويصلون بالوطن إلى العالمية وتتحقق من خلالهم رؤية المملكة 2030 التي نطمح من خلالها أن نسبق الزمن بأن تكون المملكة مما يشار إليها بالبنان في البحث العلمي وتتشكل من خلالهم المدارس البحثية في جميع المجالات العلمية الحديثة والتأسيس من خلالهم يمنح الوطن الاعتماد على أبنائه في تغطية التخصصات المختلفة لأنه إلى الآن لم نستطع أن نُكون مدارس بحثية وطنية «ممتدة» ومعظم النشر للأساتذة السعوديين إنما هو الاتكاء على كوادر غير سعودية، فصقل الموهبة البحثية يحتاج إلى تفرغ ومعظم أساتذة الجامعات مشغولون بالنواحي الإدارية والتدريسية والاجتماعية كما أن العديد من الأساتذة السعوديين إذا حصل على الأستاذية (بروفيسور) اعتزل البحث العلمي وترك الإشراف على طلاب وطالبات الدراسات العليا فالهمة محدودة بالترقية

.

هناك قلة من أساتذة الجامعات من يرغبون في الاستمرار في البحث العلمي فيستمرون في العطاء ويواكبون الجديد ويشرفون في الدراسات العليا وهؤلاء من يجب على الجامعات أن تحرص على استمرارهم وبقائهم في الجامعة حتى بعد التقاعد وليس من (فتح الميم) البحث العلمي في جهة وهو في جهة أخرى، كما أن البحث العلمي من أساسياته تجديد المعلومات وطرق البحث فهناك تقنيات عفى عليها الزمن وترفض المجلات العلمية اعتمادها في النشر

.

إن صناعة باحثين علميين متميزين للوطن إنما يكون استثماره من خلال شبابنا وبناتنا القادمين من البعثات ولا وظائف لهم فمن الظلم أن نحرم الوطن منهم ونحرمهم من رزق وطنهم فيجب دعم البحث العلمي من خلال كوادر سعودية علمية شابة تطور البحث العلمي وذلك بتوظيفهم في المراكز البحثية بحيث تعطيه حقه من المتابعة والفهم والتفرغ والمصداقية والاعتماد على النفس في النشر والوصول للعالمية.