لا أعرف إن كان أحد في عواصم القرار الدولي قد أبدى أدنى انشغال بسيناريوهات اليوم التالي، بعد حرب في إدلب انطلقت شرارتها الأولى، بضربات جوية روسية، أم أن ثمّة مَن يستريح إلى منطق العمل بنظام القطعة، أي أن يتعامل مع الظرف بوقته، ومع المتغيرات بمتطلباتها، ومع التحولات بموجباتها؟!

قرب سقف الصراع (التنافس)، تبدو روسيا بوتين الأقرب إلى امتلاك رؤية متكاملة لأهدافها في سوريا، وفي إقليم شرق المتوسط على اتساعه، فيما تبدو الرؤية الأمريكية مشوَّشة أو مرتبكة على أقل تقدير، وهو ما انعكس في التعامل بالقطعة مع التطورات على المسرح السوري، فيما توشك حرب عاصفة على الاشتعال.

المنطق الروسي، كما عكسته تصريحات بوتين، يشير إلى إصرار على استكمال تحرير إدلب مهما كان الثمن، باعتبار أن القعود عن مواجهة جماعات التطرّف المسلح، يقوض أهدافًا سعت روسيا إلى تحقيقها منذ لحظة دخولها الأولى على خط الأزمة قبل سنوات، بينما يبدو الموقف الأمريكي مترددًا وغير حاسم، إزاء محاولاته لمنع اجتياح الجيش السوري لإدلب. وبينما تُحلِّق عشرات القاذفات الروسية لتقصف أهدافًا اختيرت بعناية في إدلب، يضع الرئيس الأمريكي ترامب، شرطين أو قيدين على التدخل العسكري الأمريكي المضاد، الشرط الأول: أنه لن يتدخل إلا إذا استخدم النظام السوري أسلحة كيميائية ضد المدنيين في إدلب.. وهو ما يستبعد دينيس روس المبعوث الأمريكي الأسبق إلى الشرق الأوسط حدوثه، مشيرا إلى حرص الأسد وحلفائه الروس على تجنب استخدامه، أما القيد الثاني في حال التزم الأسد بالقيد الأول، فهو: أن تتجنب قوات الأسد والقوات الحليفة، أي (تهور) أثناء العمليات من شأنه إيقاع خسائر كبيرة في صفوف المدنيين. لا أحد يعرف ماذا يقصد ترامب بالتهور؟، ومتى يصبح سلوك بشار الأسد تهورًا، يستوجب ردًا عسكريًا أمريكيًا، ولاحظوا هنا أننا نتحدث عن (رد) وليس عن (مبادرة).

الواقعية، والروح العملية الأمريكية، لا تبدي ميلًا إلى تصعيدٍ كبير في سوريا، رغم نجاح واشنطن في بناء جبهة غربية ضمت بريطانيا وفرنسا وألمانيا، ولكن بهدف محدد ومحدود، هو منع استخدام النظام السوري للسلاح الكيماوي، أو معاقبته على استخدامه.

تحت هذا السقف المنخفض، ستجد واشنطن صعوبة في استعادة تركيا إلى صفوف تحالف غربي، باعدت بينها وبينه تطورات متسارعة كادت أو أوشكت على اقتلاع تركيا من الناتو ودمجها في تحالف تقوده روسيا.. لكن اشتعال العمليات البرية الوشيك في إدلب، قد تسمح تداعياته، بمقاربات تركية جديدة، تجعل أنقرة أقرب إلى التحالف الغربي، منها إلى تحالف يضمها مع روسيا وإيران.

انتهاء الحرب ببقاء بشار الأسد في اليوم التالي بعد إدلب، سوف يعني أن الروس والإيرانيين قد حققوا نجاحًا ما، فروسيا قد ضمنت لنفسها بقاءً دائمًا في المياه الدافئة شرقي المتوسط، وهو هدف يُلاحقه الروس منذ الحرب العالمية الأولى، وطهران قد حافظت على روابط خاصة مع سوريا، تتطلع أن تتيح لها حضورًا في الإقليم.

مشكلة إيران، أن حضورها الإقليمي مرهون بحلفاء إقليميين ينظر إليهم في المنطقة باعتبارهم طابور خامس لطهران، وأن استقرار هذا الحضور مرهون باستقرار تلك الجماعات (حزب الله في لبنان، وجماعة الحوثي في اليمن، وميليشيات طهران في العراق)، وهو حضور غابت عنه أهم عناصر الاستقرار، فلا قبول دولي له، ولا تسليم إقليمي به،

بينما يتعرض الحكم في إيران ذاتها إلى ضغوط أمريكية وإقليمية متزايدة، تثير العديد من التساؤلات حول قدرته على الاستمرار. فرص الروس في معركة إدلب المقبلة، تبدو أفضل، بينما يتعيَّن على الأتراك الإقلاع عن المشي فوق الحبال المشدودة، والإفصاح بوضوحٍ كاف عن وجهة أنقرة المقبلة، أما الإيرانيين، فقد وضعهم التوافق الروسي - الأمريكي - الإسرائيلي حول ضمانات مستقبلية لأمن إسرائيل، في خانة مَن يتعيَّن عليه تقديم تنازلات جوهرية، تقتضي إخلاء كافة اتجاهات التماس مع إسرائيل من أي حضور إيراني مباشر أو غير مباشر، فضلًا عن تقييد صناعة أو نقل الصواريخ، فوق الأراضي السورية واللبنانية. تستطيع روسيا المراهنة بالقوة، على مصالحها الذاتية في شرق المتوسط، لكنها لا تُبدي العزم ذاته للدفاع عن مصالح حلفائها في إيران، ولا يمكنها أن تعد أنقرة، لا بمكاسب آنية ولا مستقبلية.. لكن التحالف الروسي، السوري، الإيراني، يمتلك قابلية أعلى للاستمرار في اليوم التالي لما بعد معركة إدلب. لقد نجح بوتين في السيطرة على أغلب أوراق اللعبة فوق المسرح السوري، فهو من يُوزّع الأدوار، ويرسم حدودها.

حتى الآن، فإن الوضع الراهن في سوريا يبدو مواتيًا تمامًا لموسكو، وما يريده بوتين في اللحظة الراهنة وحتى انجلاء الغبار عن معركة إدلب، هو أن يتكيَّف العالم، والإقليم، مع حقائق جيوسياسية جديدة، تمامًا كما استطاع أن يفعل في القرم، وكما يحاول أن يفعل شرقي أوكرانيا.