«أبي»، كلمة تخرج من قلبي وخاطرتي عن أجمل ما وهبني الله في هذه الحياة. خاطرتي تعتبر قطرة في بحر مما أحمله لما منحني الله. خاطرتي عن أبي الذي أدعو الله أن يكون في الجنة منذ عقدين؛ في اليوم الثامن من محرم. الهبة العظمى والمنحة الأسمى أبي. فعندما تزاحمت الأفكار ووجل منها فكري وغار، وعندما زارني الحزن ودعاني إلى دنياه عندما ضاق صدري بالهموم وتهتُ في غيابي وأحزاني، وعندما احتجت إلى وطنٍ يحميني وصدرٍ يأويني، ناديتُ بها، ناديت بكلمة أبي، فلم أجد كلمةً تمحو ما فيني سواها. لم أجد دنيا تحتويني سواها «أبي»، لم أجد صدراً يضمني إليه سواك، فأنت نبع الحنان السامي، ونبع الحب الصافي، فأي منكم تختلف كلماته عن كلماتي، سيقول أن الأب هو ذلك الحضن الدافئ.

«أبي» أنت من علَّمني معنى الحياه، أنت من أمسكت بيدي على دروبها أجدك معي في ضيقي، أجدك حولي في فرحي، فأنت معلمي وحبيبي، فتنصحني إذا أخطأت، وتأخذ بيدي إذا تعثَّرت، فتسقيني إذا ظمأت، وتمسح على رأسي إذا أحسنت. أبي أردتُ أن يصلك إحساسي ومن خلال ما زفرته أنفاسي، أردت أن تكتب لك كلمتي عند الله. أردت أن تصل إليك كلمة خرجت من أعماقي مقحمة كلمتي إليك «أبي» هي أحببتك، أتساءل أحيانا:

لماذا تتغنَّى الكتابات بالأمِ وحنانها وتدمع الأقلام المبدعة سيولاً من حبر الكلام الشاعر بالأم وقلبها الرؤوف، بينما نراها تتكاسل وتخر قواها فيما يُناظرها من عطف الأب وحنانه؟. «أبي» قد ورثت منك صورتك وفق الحكمة: «من شابه أباه فما ظلم».

يُحكَى أن أستاذًا سأل تلميذًا إذا ما كان يعرف حروف الهجاء؟ فقال التلميذ: نعم، فقد علَّمني أبي كل الحروف، قال له: قل ألف، فرد التلميذ ببيت شعر غزلي: ألف وليف الروح قبل أمس زرناه، غرو يسلي عن جميع المعاني. قال الأستاذ: قل باء، فرد عليه ببيت غزلي آخر يبدأ بحرف الباء، حتى أتى الشيخ على كل الحروف، وأتى التلميذ عليها بأبيات غزلية. قال الشيخ: كفى، من علّمك هذا؟ قال: أبي، فعرف الشيخ أن السبب فيما صار إليه التلميذ هو أبوه، فقال: من شابه أباه فما ظلم. فهذا ما أنعم الله عليَّ، صورة أبي في وجهي، فكل من كان يعرف أبي ويراني يسألني: ما قرابة معتوق لك؟، أرد بكل فخرٍ وأقول: «أبي»، فيرد السائل بقوله: رحم الله السيد معتوق. بهذا كسبت أجر أبي بالدعاء له بالرحمة. ما أغلى من هذا الإرث؟.

عن عمر بن عبدالعزيز يرحمهما الله، عن ابنه عبدالملك قال: شيء رائع جداً، بل شيء لا يُقدَّر بثمن أن يكون الإنسان عظيما بدينه، وعلمه، وورعه، وأن يكون ابنه على شاكلته، فمِن سعادة المرء أن يُشبه الابن أباه. يُعلّمنا المنهج الإسلامي بأن أقرب شيء إلى الأب هو ابنه، لذلك ربنا عز وجل ينتظر من المؤمن بعد عرفات أن يُذكر؛ كما يَذكر أباه أو أشد، قال تعالى: «فَإذًا قَضَيْتُمْ مَنَاسِكَكُمْ فَاذْكرُوا اللهَ كذكرِكُمْ آَباءَكُمْ أَو أَشَدَّ ذِكْرًا». دائما في ذكراك «أبي» رحمك الله.