استكمالًا للحديث عن سُلّم النجَاح ودَرَجات الفَشَل؛ حيث تم في الجزء السابق تناول أمثلة لبعض الرياديين في المجتمع الغربي ممن حققوا نجاحات مميّزة بعد محطات ومراحل من «الفشل». فإنّ تحقيق النجاح بالنسبة لنا كمسلمين ليس مقيّداً بالحياة الدنيا فقط بل إن أسمى درجات النجاح هي في تحقيق الفلاح الأخروي (وَلَلْآخِرَةُ خَيْرٌ لَّكَ مِنَ الْأُولَى)، (وَلَلْآخِرَةُ أَكْبَرُ دَرَجَاتٍ وَأَكْبَرُ تَفْضِيلًا). إلا أن المطلوب من الفرد منّا أن يضبط أقواله وأفعاله بالصلاح، ويبذل الجهد مخلصًا لله تعالى ثم يستبشر بأنه وإن لم يجنِ الثمرة في الحياة الدنيا فإنّ المولى -عز وجل- يُثيب المجتهد المخلص على عمله بفضله سبحانه وتعالى في الآخرة، مع جوائز ومِنح دنيوية قد لا نراها أو نشعر بها.

ومن تأمّل، بمعيار النجاح الدنيوي فقط، في ذلك الوقت، في أحداث الهجرة إلى الحبشة والهجرة إلى المدينة المنورة، وعدم أداء المسلمين للعمرة وفق شروط صلح الحديبية؛ لما وجد فيها الفوز والنصر. بينما كانت تلك في واقع الأمر مراحل تمهيدية لتحقيق النصر والتمكين.

وهو ما آمن به دومًا خير من توكّل على ربه -عز وجل- وسيّد الخلق أجمعين حيث لم يتزعزع يقينه أبدًا صلى الله عليه وسلم بنصر الله (النجاح والفلاح)، رغم كل ما جابهه صلى الله عليه وسلم من صدّ المشركين وعنادهم ومكائد المنافقين ودسائسهم، مُوقِنًا صلى الله عليه وسلم أنّ كل ما يمر به إنّما هو خيرٌ وفق المعيار الأسمى للخيرية، مصداقًا للحديث الشريف «عَجَبًا لأمرِ المؤمنِ إِنَّ أمْرَه كُلَّهُ لهُ خَيرٌ وليسَ ذلكَ لأحَدٍ إلا للمُؤْمنِ؛ إِنْ أصَابتهُ سَرَّاءُ شَكَرَ فكانتْ خَيرًا لهُ، وإنْ أصَابتهُ ضَرَّاءُ صَبرَ فكانتْ خَيرًا لهُ».

وخلاصة القول: إنّ تحقيق النجاح يتطلب العمل بجد ومثابرة وعدم الاستسلام حتى الوصول إلى الهدف، وتوظيف المعوّقات بشكل إيجابي كمراحل تمهيدية ضرورية للوصول إلى الهدف، كما يجب أن لا يغيب عنّا نحن المسلمين أن قطف الثمار ليس محدودًا بالحياة الدنيا فقط، بل إن الفلاح الحقيقي هو في الفوز برضوان الله عز وجل في الآخرة، وذلك يتطلب إضافةً إلى المداومة على الجدّ والمثابرة أن تكون أعمالنا وأقوالنا صائبة وصالحة، ونَصبر ونُصابر على ذلك لعلّنا نُفلح (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ).

وكيل وزارة الحج والعمرة

لشؤون نقل الحجاج والمعتمرين