يكاد السؤال يتبطن الإجابة اليائسة. ومع ذلك نلتصق بفكرة أنه ما دام الإنسان سيّد هذه الأرض، ويعيش عزلته الوجودية فيها، سيظل التصاقه بالأدب والفنون ضروريًّا. سؤال الجدوى يتكرر باستمرار في عالم لم يعد يحفل إلا بالأنانيات الكبرى التي جعلت من الإنسان مصلحة مادية متحركة لا أكثر، لا تهم فيها الدواخل والأحاسيس، ولا الفنون بمختلف أشكالها، حتى بدا الفعل الأدبي والفني غريباً في وضع أكثر غرابة. تقلَّصت الصفحات الأدبية في جل الجرائد. توقَّفت الكثير من البرامج التليفزيونية الأدبية المهمة. دائماً نفس السبب. لا يوجد مموّلون سبونسر لهذا النوع من البرامج، ونسي الجميع أن الأدب والفنون تتخطَّى الممول لتصب في مسؤولية الدولة. إلى اليوم ما تزال فرنسا - الدولة، تُراهن على ثقافتها أولاً وأخيراً، وتموّل المشاريع الفنية والأدبية والسينمائية، لأنها تُدرك أن المسألة استراتيجية وليست ثانوية. هناك يتم تصنيع إنسان المستقبل المتوازن. هل عبث ما قيل عن الأدب: إنه يُرجِع التوازن عندما يفقد العالم توازنه؟، بمعنى كيف سيكون العالم بلا أدب؟ بلا فنون؟، لهذا ليس غريباً أن يتبطن الباحثون السؤال بسؤال أكثر تجذُّراً وخطورة. هل بقي للأدب شيء يقوله في عالم مثل الذي وصفته؟، عندما يُطرح هذا على كاتب، يبدو السؤال عبثياً، وإلا لماذا يكتب الكُتَّاب إذا أدركوا أنه لم يبق شيء للأدب يقوله؟، له ما يقوله طبعاً، عالم الأدب لم ينتفِ. أي عدم ربط الأدب بالمرحلي والطارئ والتوجُّه به نحو الديمومة. الديمومة هي واحدة من المقاييس الأساسية للأدب. كم من نصٍ ظهر، وكم من نصٍ بقَي؟، بجانب بلزاك وزولا وفلوبير؟، كان عشرات الروائيين، ولكن لم يبقَ منهم أحد. كان مسرح شكسبير ثانوياً أمام سدنة المسرح الملكي، لكن كلهم ذهبوا وبقي شكسبير بعد مائتي سنة من الدفن والموت الممنهج

.

الحقيقة الأدبية تنتصر دائماً مهما كانت العوائق التي توضع في طريقها. للرواية ما تقوله في زمن لم يعد يصغي مطلقاً للأدب، ضارباً عرض الحائط بكل التقاليد الكلاسيكية. فالأدب في عمومه قيمة جمالية لا تقع خارج كل المدارات الاجتماعية والحضارية، وتمسّه التحولات المجتمعية بقوة وفي العمق. طبعاً ظاهرة الالتزام الآلي ألحقت ضرراً كبيراً بالأدب عندما ربطته بالسياسة، وأغرقته في الغطاءات الأيديولوجية التي أضرَّت به أكثر مما أفادته. ظل الأدب العظيم، غير الخاضع للاستجابة الشرطية السياسية الطارئة، يخط طريقه. حتى ولو استجابت رواية الأم مثلاً، لغوركي، للمعطى التاريخي المفروض عليها، فقد أنقذتها عبقرية الكاتب. على الرغم من المنافي والغولاك، ظلت عظمة «بولغاكوف» في «المعلمة ومارغريتا» قائمة. لم يفقد أدب ديستوفسكي ذرة واحدة من ألقه عندما اختار الكتابة عن الثيمات النفسية الأكثر استجابةً للأدب. الطاحونة السياسية والأيديولوجية، وإن أثَّرت سلباً، لم تمس شيئاً في جوهر النصوص العظيمة. ظل الأدبي هو المتوائم مع التاريخ. الإفلاس لاحق تجربة الأدب الملتزم بالمعنى السياسي والأيديولوجي، لأن سجن المتخيل في القوالب الأيديولوجية المرهونة بزمنٍ معين، هو أكبر عملية قتل للأدب. انتهاء الحقبة الشيوعية سحب وراءه ميراثاً، ليس فقط سياسياً، ولكن أيضاً أدبياً، لم يعد قادراً على متابعة الحياة. السبب الثاني في هزيمة الأدب الملتزم بالمنطق الذي ذكرته، الأمية المستشرية لأسباب تاريخية، إذ كيف نتحدَّث عن الالتزام المشروط بالمقروئية والفهم، وننسى أن الأمية كانت ضاربة أطنابها في المجتمعات؟، الأمية تتجاوز الخمسين بالمائة. ثم هناك الذين يقرؤون ولا يفهمون ولا ينتبه لهم أحد، وهم في تكوينهم القرائي أنصاف أميين. والذين كثيراً ما يتهمون الكُتَّاب ولا يُعيدون النظر في أنفسهم. «جهنم هم الآخرون» كما يقول سارتر L›enfer c›est les autres ، وهو ما جعل الأدب الذي يقع خارج النظام يعيش معاناة قوية، الحقيقة الكبيرة عربياً هي محدودية القراءة، والتي تنعكس سلباً، وهي التي تجيب قليلاً عن سؤال المنطلق. من المؤكد أن الأدب لا يحل مشكلات العصر الثقافية والاقتصادية. لا يوقف الحروب الأكثر تدميراً. لا يُعيد الحياة لمن قُتلوا ظُلماً. لكن الأدب يصنع داخل الإنسان ويحضره لمجابهة زمن غير مرئي. يهز بعنف الخيالات المريضة التي تربَّت مع الإنسان منذ آلاف السنين. يمكن للأدب أيضاً أن يكون شاهداً على الأزمنة القاسية والصعبة. ليس وثيقة تاريخية، ولكنه سجيل لكل التوترات الإنسانية التي تغيب عن المؤرخ.