ظل الاختلاف العقدي بين المسلمين -في الغالب- سبباً للتكفير والتبديع من قِبَل البعض الذي يدّعي أنه لا يُكفِّر أحداً من أهل القبلة، ولكن الواقع المعاش نجده في المصنفات العلمية وحلقات التدريس في بعض المساجد، حيث نجد فيه التكفير والتبديع مستمراً، بل لعله يتجدَّد، وكُنَّا نلحظ هذا في جل ما تطرحه المكتبات من مُصنَّفات علمية في العقائد، قديمها والحديث، تكفِّر الفرق والطوائف بعضها بعضاً، بل إن البعض ممن يدّعون أنهم أهل السنة، يُخرج بعضهم بعضاً من مُسمَّى أهل السنة لأتفه الأسباب. ومضى علينا زمن، كان فيه البعض لا يرى من أهل السنة إلا جماعته، ولو كانت من القلة بمكانٍ ظاهر في هذا الزمان، خاصَّة مَن يدّعي أنه من أتباع السلف، الذي لو طلبت منه أن يُعيِّن لك سلفه، لما استطاع أن يُحدِّده بدقة، وكلنا نعلم الحديث الذي رواه معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنه أنه قال: (ألا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قام فينا فقال: ألا أن من قبلكم من أهل الكتاب افترقوا على ثنتين وسبعين ملة، وأن هذه الملة ستفترق على ثلاث وسبعين، ثنتان وسبعون في النار وواحدة في الجنة وهي الجماعة)، ورغم أن للحديث روايات عدّة تذكر أن الفرقة الناجية هم الجماعة أو السواد الأعظم، إلا أنه ظهرت في المسلمين جماعات صغيرة ادّعت أنها هي المقصودة بالجماعة، وما عداها من المسلمين يشملهم القول بأنهم الفِرَق الضالة، التي مآلها إلى النار، حتى حكم بعضهم أن كل فرق المسلمين وطوائفهم غالبيتها هم هؤلاء الذين ورد الحديث بأنهم من أهل النار، ورأينا مُصنَّفات في العقائد، لا تترك أحداً من المسلمين إلا ووجدت له قولاً تُكفِّره به، وها هي المكتبات العامة والخاصة إذا راجعتها، وجدت كُتباً تُكفِّر المعتزلة والزيدية والأشاعرة والأباضية، ثم سائر الشيعة، بل إنها تحصر أهل السنة والجماعة في العدد القليل الذي منه مُؤلِّف أو مُصنِّف الكتاب، ونشط هؤلاء في تكفير كل مسلم لا ينتمي إلى جماعتهم، ثم ظهرت نابتة في آخر الزمان استغلت هذا وزعموا أنهم وحدهم الناجون من النار، وكُنَّا أيام طلبنا للعلم نناقش الكثيرين أن المسلمين عامتهم -بإذن الله- هم الناجون من النار، فهُم الجماعة أو السواد الأعظم من المسلمين، لأنه يستحيل أن يكون كافة المسلمين كُفَّاراً ومبتدعين، وجماعة منهم قليلة هم أهل السنة والجماعة، الذين حكم لهم بالنجاة من النار، ولكن الأمر بقي على ما هو عليه، ولعلَّنا اليوم نُصحِّح الفِكر، ولا ننساق إلى تكفير وتبديع سائر الأمة، فهل نفعل؟.. هو ما نرجو. والله ولي التوفيق.