أَصبَحَتْ الوَطنيَّة عِندَ البَعض؛ شِعَارًا يُرفَع، وأَدَاةً للافتِخَار، وعَصىً يَضرب بِهَا النَّاس بَعضهم بَعضًا، لهَذا السَّبَب ولغَيرهِ، دَعونَا نَستَطلع بَعض الآرَاء عَن الوَطن والوَطنيَّة، وكَيف يَفهمهَا الفَلَاسِفَة والحُكَمَاء والعُقَلَاء، لَعلَّها تُعدِّل مَفهوماً مَائِلاً، أَو تُصحِّح فِكراً خَاطِئاً..!

يَقول الفَيلسوف «شيشرون»: (لَستُ آسِفاً إلَّا لأَنَّني، لَا أَملِكُ إلَّا حَيَاةٍ وَاحِدَة؛ أُضحِّي بِهَا فِي سَبيل الوَطَن)، وهَكَذا، تَمنَّى هَذا الفَيلسوف؛ أَنْ تَكون لَه أَكثَر مِن روحٍ، يَفدي بِهَا الوَطَن، فالدِّفَاع عَنه والقِتَال فِي سَبيل وِحدَتهِ، واستقلَالهِ، مِن الفَضَائِل التي تَطرحهَا وتُنَادي بِهَا كُلُّ شعُوب الأَرض..!

فالوَطنيَّة مَفهومٌ رَاقٍ، ولَكنَّها -أَحيَاناً- تُستَخدم كآلةِ جَلْد، يُجلَد بِهَا البَعض، أَو يَحتَمي بِهَا مَن يُريدُون أَنْ يَخدمُوا أَهدَافهم الخَاصَّة، لِذَلك تَتحوَّل الوَطنيَّة مِن مَظلَّةٍ إلَى مَلاذ، وفِي ذَلك يَقول الأَديب «صمويل جونسون»: (الوَطنيَّة هي المَلَاذ الأَخير لكُلِّ أَحَدٍ)..!

مِن جِهتهِ يَقول الفَيلسوف «جورج برنارد شو»: (أَكْرَه إحسَاسِي بأَنِّي فِي مَوطني، عِندَما أَكُون خَارج البِلَاد).. لِذَا، عِندَما تُسَافِر؛ يَجب عَليكَ أَنْ تَستَفيد وتَتعلَّم مِن الأَشيَاء الجَميلَة، التي لَا تَجدهَا عَادةً فِي بَلدك، ولَا تَنقل ثَقَافتك إلَى البَلَد الذي تُسافِر إِليهِ..!

أَكثَر مِن ذَلك، لَابدَّ أَنْ نَعلم أَنَّ الوَطنيَّة تَبدَأ مِن المَنزِل، والوَطَن مَنزِلٌ كَبير، وخَيرُ الشّعُوب مَن تَعتبر مَنَازلهَا أَوطَانهَا الصَّغيرَة، وأَوطَانهَا مَنَازلهَا الكَبيرَة، وقَد أَطرَبني الأَديب «أحمد بن نعمان» حِينَ قَال: (مَن لَا يصلح لأَهلهِ، لَا يصلح لوَطنهِ، ومَن لَا يصلح لوَطنهِ، لَا يصلح لأَهلهِ)..!

فلَا تَعتَقد -عَزيزي القَارئ- أَنَّ الوَطَنَ مَفهومٌ حَديث، وكَلِمَةٌ طَارِئَة، بَل هو مَفهومٌ قَديم، وَرَدَ فِي بَعض العِبَارَات المَنسُوبَة للإمَام «علي بن أبي طالب» -كَرَّم الله وَجهه-، ومِن ذَلك؛ تَحذيره مِن أَنَّ الفَقْر -فِي الغَالِب- يُضْعِف الوَطنيَّة، حَيثُ قَال: (الفَقر فِي الوَطَن غُربَة، والغِنَى فِي الغُربَة وَطَن).. ورَغم ذَلك، أَرَى أَنَّ الوَطنيَّة مَفهومٌ رَائِع وبَديع، ولَكن يَجب أَنْ لَا يَجعلنَا نَغضُّ أَبصَارنا؛ عَن تِلك الأَخطَاء المَوجُودَة فِي بَعض مُؤسَّسَات الوَطَن، بَل يَجب أَنْ نَطرح الأَخطَاء بكُلِّ أَدَبٍ، فِي مُحَاولَة لإصلَاحها، فالنَّقد لَا يُضعف الوَطنيَّة، بَل يُقوّيهَا، وهَذا مَا أَكَّده الزَّعيم السِّيَاسِي الأَمريكي «مالكوم إكس» حِينَ قَال: (عَلَى الوَطنيَّة أَنْ لَا تُغمض أَعيننَا عَلَى رُؤيَةِ الحَقيقَة، فالخَطَأ خَطَأ، بِغَضِّ النَّظَر عَمَّن يَفعله أَو يَقوله)..!

حَسنًا.. مَاذا بَقي؟!

بَقي القَول: الوَطنيَّة، هَذا المَفهوم الذي حَارَ النَّاس فِيهِ، كَيفَ نُعرّفه؟، لَن أَجتَهد مِن عِنديَّاتي، بَل سأَترُك الإجَابَة لِمَن هو أَعلَم مِنِّي، وهو الأَديب «جورج برنارد شو»، حَيثُ يَقول: (الوَطنيَّة هي القَنَاعَة؛ بأَنَّ هَذا البَلَد هو أَعلَى مَنزِلَة؛ مِن جَميع البُلدَان الأُخرَى).