النَّفْسُ البَشريَّة مُجرَّد إنَاء، إمَّا أَنْ يَمتَلئ بالخَيرِ والجَمَال، أَو يَمتَلئ بالشَّرِّ والقُبح، وقَد أَشَار إلَى ذَلك القُرآن الكَريم إشَارة ذَكيَّة، لَا تَقْبَل الجَدَل ولَا الشَّك، حَيث قَال جَلَّ وعَزّ: (ونَفسٍ ومَا سَوَّاهَا* فأَلهَمهَا فجُورهَا وتَقوَاهَا)..!

لِذَلك أَقول -بكُلِّ ارتيَاح-: هَذه النَّفس إنْ لَم تُشغلها بالخَير، أَشغَلَتَك بالشَّر، وإذَا لَم تَغرسهَا فِي حَقْل الإيجَابيَّة، نَبَتَت فِي حَقل السَّلبيَّة، وإذَا لَم تُعوّدهَا عَلَى الجَمَال، انصَرَفت هِي بفِطرتهَا إلَى القُبح، وإذَا لَم تُعلِّمهَا التَّقوَى، عَلّمَتك هي الفجُور.. والنَّفسُ البَشريَّة - بالتَّأكيد- ميَّالَةٌ إلَى الشَّرِّ والفُحش والفجُور.. نُدرك ذَلك مِن بَلَاغة القُرآن الكَريم، حَيثُ قَدَّم الفجُور عَلَى التَّقوَى، والقُرآن كِتَابٌ مُعجز فِي بَلَاغته، ولَا يَنطِق عَن الهَوَى..!

إنَّني تَتبَّعتُ أَكثَر سِيَر النَّاجحين، والسُّعدَاء والمُتفَائلين، وصُنّاع الإيجَابيَّة والبَهجَة، فوَجدتُ بَينهم قَاسِماً مُشتَركاً؛ وهو الاشتغَال بالجَمَال، والبَحث عَن النَّجَاح، وتَلمُّس مَوَاطِن التَّفوُّق، وتَصيُّد وتَحرِّي سَاعَات السَّعَادَة والسّرُور والبَهجَة، وقَد فَعلوا ذَلك عَن قَصْدٍ، لأَنَّهم يُؤمنون بأنَّ النَّفس كالطّفل، إنْ تَركتهَا تَعتَمد عَلَى نَفسهَا، أَجَادَت الاعتدَاد بذَاتهَا، وعَرفَت الاستقلَال، وإنْ دَلَّلتهَا أَفسَدتَهَا وأَصبَحَت اتِّكَاليَّة، لَا تَستَغني عَن البَشَر، وقَديماً قَال الشَّاعِر:

النَّفْسُ كالطِّفْلِ إنْ تُهملهُ شَبَّ عَلَى

حُبِّ الرّضَاعِ وإنْ تَفْطِمْهُ يَنْفَطِم

حَسنًا.. مَاذا بَقي؟!

بَقَي القَول: الحَمد لله، لأَنَّني أَشغَلتُ نَفسي بالخَيرِ والجَمَال، والسَّعَادَة والتَّفَاؤل، وحِين زَارني محوَر الشَّرِّ؛ المُتمثِّل فِي الإحبَاط والسَّلبيَّة والتَّعَاسَة، وَجد كُلّ غُرف مَنْزِلي مَسكُونَة بمَحَاور الخَير الكَثيرة، فرَحلَ عَنِّي -غَير مَأسُوفٍ عَليه- إلَى غَيري.