كُلُّ المسلمين يُحبُّون المدينة المُنوّرة، وكيف لا يُحبُّونها وهي عاصمة الإسلام الأولى؟ وفيها المسجد النبوي، وفيها الروضة الشريفة التي لا تُعرفُ بُقعةٌ على وجه الأرض بصفةٍ يقينيةٍ أنّها من الجنّة سواها، وفيها قبر النبي صلّى الله عليه وسلّم، وبجانبه قبرا صاحبيْه ووزيريْه وعضُدَيْهِ، أبوبكر الصدّيق وعمر بن الخطّاب -رضي الله عنهما-، وفيها من آثار سيرته الكثير، ممّا يجعلها أعظم الأماكن المُقدّسة التي تُشدّ إليها رِحالُ المسلمين بعد بيت الله العتيق في مكّة المكرّمة.

غير أنّ الباكستانيين هم من أكثر الشعوب الإسلامية حُبًّا للمدينة المُنوّرة وأهلِها، وهم أكثر زُوّارها عددًا على مستوى العالم، ولو سُئِلَ باكستانيٌ عن المكان الذي يودّ العَيْش فيه بقيّة عُمْرِه لأجاب أنّه المدينة المُنوّرة، وحُبُّهم لها ينبع من جيرة من يعيش فيها لقبر خير البشر، فالجار قبل الدار وأهمّ منه، فما بالكم بجارٍ مثل النبي صلّى الله عليه وسلّم؟ وهناك الكثير من القصص التي تُؤكّد هذه الحقيقة، ويُذهَلُ من يسمعها، ويتذكّر قول الشاعر عبدالحكيم الأنيس:

وإنْ تَسألْ أُجِبْـكَ بِلا توانٍ

أُحبُّ المُصطفى وأُحبُّ قُرْبَهْ

ومِن أَجْلِ الحبيبِ تَرى فُؤادي

يُبِجُّل مدينته وآلِهِ وصحْبِهِ

وأذكر من هذه القصص واقعةً طريفةً جرت لي خلال دراستي للهندسة المدنية بجامعة الملك فهد للبترول والمعادن في المنطقة الشرقية، وآنذاك لم أنجح في إحدى المواد الهندسية الصعيبة، فذهبْتُ إلى أستاذها الباكستاني الحاصل على الدكتوراة من أمريكا، واسمه «إقبال علي»، ولا أدري حقيقةً إن كان حيًا الآن أو ميتًا، وكنتُ أعرف عنه حُبّه للمدينة المُنوّرة وأهلِها، حتّى أنّه كان يزورها في نهاية كلّ شهر دراسي رغم انشغاله في الجامعة، ويشتري تذكرة طيران على حسابه الخاص قاطعًا المسافة البعيدة بين الظهران والمدينة المُنوّرة، فقط ليُصلّي في الروضة الشريفة، وينعم بروحانية جوار الحبيب المُصطفى عليه الصلاة والسلام لبعض الوقت، وكانت تتخلّل شروحات دروسه للطُلّاب الصلاةُ على النبي عشرات المرّات، وأرجو أن يغفر الله لي لأنّني زعمت كاذبًا أنّني من أهل المدينة المُنوّرة، مُلتمِّسًا منه مساعدتي والنجاح في المادّة، ولو رأيتموني كيف كنتُ أستذرف دموع التماسيح غير الصادقة، وكيف ذرَفْتُ نصف دمعة بِشِقّ الأنفس، لضَحِكْتُم عليّ، ولأزدريتموني على كذِبِي وتمثيلي غير المُتقن، والشاهد أنّه رمقني وتأمّلني وصلّى على النبيّ عدّة مرّات، ثمّ مسح درجة الرسوب في دفتره وهي ٥٥ من ١٠٠، واستبدلها بدرجة ٦٠ من ١٠٠ كانت كافية لمنحي درجة النجاح الدُنيا، وهكذا نجوْتُ من الرسوب بفضل الله ثمّ بفضل حُبِّ هذا النبيل الباكستاني للمدينة المُنوّرة وأهلِها الطيّبين الكرام!.