الأمل ضروري، والأمل موجود لأسباب وَردت بتفصيل في أجزاء سابقة من هذا المقال.. لكن السؤال يبقى: ماذا لو مات الأمل، رغم كل هذا التفصيل والتحليل؟ والسؤال مشروع، لأن البعض يتحدث عن سِعَتِنا، كعرب، على مناقضة كل معطيات التاريخ وسنن الاجتماع البشري.. بما فيه ذلك قدرةٌ استثنائيةٌ على قتل الأمل.

فماذا يبقى إن أبدَعنا، بكل طريقةٍ ممكنة، ونجحنا في تلك المهمة الشقية: قتلُ الأمل؟ ثمة نتيجةٌ واحدة: تظلُ بعد ذلك في الساحة مشاعرُ ذات قوةٍ تدميرية تُسمّى العجز واليأس، ومعها مُفرداتٌ ومُتعلقات لا يتحمل تأثيرها السلبي مجتمعٌ أياً كان.

ثمة خيطٌ رفيعٌ وحساس ينبغي الانتباه إليه في هذا المقام.. فإلى نقطةٍ معينة، تنحصر تلك المشاعر في دوائر الاستسلام والسلبية والانسحاب والتركيز على استمرار (الحياة) بأي طريقة وبأدنى درجة. لكن التاريخ يُظهر أن ثمة ظروفاً، في كل المجتمعات، تضغط على الجماهير لتتجاوز تلك النقطة الحرجة، فجأةً ودون مقدمات.

وكما حدث مِراراً وتكراراً في تاريخ البشرية، تُصبح اللحظةُ تلك مفرق طريقٍ تُفلت معه الأمور في كل مجال وعلى كل صعيد، في اتجاه الفوضى.

المخيف في الموضوع أن قياس الحدود بين النقطتين بدقة أمرٌ في غاية الصعوبة، إن لم يكن مستحيلاً.. والقدرة على إمساك ذلك الخيط الرفيع والحساس يفوق الوُسعَ البشري.. لماذا؟ لأن الأمر هنا يتعلق بحيوية إنسانية، معقدة وهائلة، لا يمكن ضبطها نفسياً وشعورياً.

نعم.. يمكن، في نظر الكثيرين، ضبطُ وربط الممارسات (العملية) للبشر بأساليب معروفة. لكن ما يفوت هؤلاء أن ثمة قوةً داخليةً لدى الإنسان، نفسياً وشعورياً، ولا مبالغة في توصيفها بكلمة (جبارة)، يمكن أن تتجاهل كلياً كل ضبطٍ وربط، لأنها ببساطة تبلغ مرحلةً لا تبالي معها بكل ما يمكن أن يُصيبها من خوفٍ أو عذابٍ أو حتى موت.

الظاهرة شائعةٌ أكثر مما نتصور في جميع الثقافات والشعوب.. وقد عبرت العرب عنها قديمًا بأكثر من طريقةٍ ومثال.. «ما لِجُرحٍ بميتٍ إيلامُ»، «لا يضير الشاةَ سلخُها بعد الذبح».. وأقوال غيرها تُعبّر عن المقصود.

إن مشاعر العجز واليأس، ومفرداتها الأخرى، يمكن أن تبلغ بالجماهير مرحلةً من (الموت الداخلي) لا تبالي معها بأي بأسٍ يحصل لها ولأهلها ولمجتمعها بعد ذلك. بماذا، وكيف، تردعُ إنساناً بلغ تلك المرحلة؟ بألمِهِ؟ برزقهِ؟ بأهلهِ؟ بحاضره ومستقبله؟ ليست المسألة أن هذه القضايا لا تردَعُ بحدِّ ذاتها، وإنما جوهر القضية يتمثل في أن مثل ذلك الإنسان تجاوزَ هذا كله أصلاً، فهذه قضايا (تتعلق بالحياة)، ولم يعد لها عنده معنى. وبالتالي، فإنه لا يشعر أبداً، لو حَصَلَت، بأي احتمال أن يصبح وضعهُ أسوأَ مما هو فيه. إذ بات يعيش الآن في عالمٍ آخر، لغته ومقاييسه مختلفة كلياً.. فيصبح المثال وكأنك من بشرٍ يخافون الفيضانات والأعاصير بسبب المطر والعواصف، ويحاولون ردع، وضبط حركة، البحار والمحيطات بنفس المنطق!

العجز واليأس، في هذه المرحلة إذاً، مشاعرُ مُدمِّرة.. وهي حين لا تُعالج بالطريقة المناسبة، وأولها، وأهمها، إبقاء جذوة الأمل لدى الجماهير، فإن نهايتها تكون دوماً إلى الانتحار.. وهذا الانتحار إما أن يكون ذاتياً مقصوراً على النفس، أو يكون انفجارياً على قاعدة (عليّ وعلى أعدائي) المعروفة.. وبشكلٍ يعبّر، بقسوة، عن ذلك الشوق الكامن في الأعماق لتغيير الواقع البئيس للإنسان. ولكن، عندما يفتقر الإنسان ذاك لأي طريقةٍ من طرق التغيير، لا يجد أمامه سوى إلغاء هذا (الوجود) الذي يصعب فيه التغيير، بكل ما فيه، وكل مَن فيه.. أي عبر إنهاء وجود (العاجز) نفسه من جانب، ووجود كل ما يوقنُ أنه أسباب ذلك وصوله لذلك العجز من جانبٍ آخر. بمعنى آخر: إنه لا يجد سوى ما يراه: الحلُّ الشامل! الفناء الكامل للجميع! هذا هو الحل عند أمثال هؤلاء حين يصل بهم الواقع إلى تلك الحال. وفي المسَارَين، يعاني المجتمع بعدها بشكلٍ كارثي، على جميع المستويات.

وإذا ما عمّ هذا الشعور في أي اجتماعٍ بشري، فإنه يُولّدُ قوةً عشوائية وفوضوية ضخمة لا يمكن أن تقف في وجهها أي عمليات مواجهة وردع، ويخلق واقعاً معقداً لا يمكن التعامل معه أبداً بعقلية إدارة الأزمات.

منذ سنوات، قال الكاتب السوري المبدع المرحوم سعد الله ونوس: «لأنه لا يوجد أي تصور عن المستقبل، ولأن البشر وربما لأول مرةٍ في العالم، لم يعودوا يجرؤون على الحلم، فإن الشرط الإنساني يبدو قاتماً ومُحبطاً».. لكنه ختم حديثه يومها بقوله: «إننا محكومون بالأمل، وما يحدث اليوم لا يمكن أن يكون نهاية التاريخ».

ليحصل ما يحصل، باستثناء شيءٍ واحد: لا تقتلوا الأمل عند الشعوب.. وبعدها، قد يكون ممكناً حلُّ كل شيء.